كتاب وأراء

الحكيم المغرد

الى كل من يطلب النصح ولا يعمل به هذه الحكاية: «منذ زمن بعيد في الصين اعتاد رجل دين على التسلق فوق شجرة معينة والبقاء فيها لأوقات طويلة للتأمل، ولم يكن يغادر هذا المأوى الذي تحول إلى سكن دائم، مهما تمايلت الشجرة بفعل الرياح والمطر وتقلب الجو، كان يجلس بين فروع الشجرة مرتاحا ومبتسما وهادئا، وكان العديد من أهل القرية يمرون على الشجرة عند ذهابهم للصيد أو جمع الاخشاب في الغابة، فيلقون عليه التحية ويبادلهم بأحسن منها، ومع الوقت أعتادوا وجوده، وشرع بعضهم في التوقف والتحدث عن همومهم ومشاكلهم معه، وكان لا يبخل عليهم بالارشادات الرقيقة الحانية، أحبوه واحبوا كلماته، واطلقوا عليه «عش الطيور» ومرت سنوات وسنوات، وانتشر خبر هذا الزاهد الذي يأكل أقل القليل مثل الطيور ويعيش كما يعيشون، وليس له مطالب أو رغبات في جميع الانحاء، وتسارع الناس لزيارته من كل مكان، كانوا يذهبون اليه محملين بالقلق والخوف والغضب ويعودون وهم أقل احباطا وأكثر خفة وراحة من قبل، لم تكن الكلمات التي تخرج من فمه هي المؤثرة فقط وإنما أفعاله، فإذا كان من لا يملك شيئا ولا يطمح في شيء قادرا على الابتسام والضحك والحب، فأحرى بهم هم ان يحذوا حذوه ويكفوا عن التذمر والشكوى، ووصلت اخبار هذا الحكيم المغرد لمسامع الحاكم الذي قرر بعد تفكير طويل ان يزوره، لمناقشة امور مهمة معه، وبعد إعلان الخبر غادر الحاكم القصر ومن خلفه الحاشية والخدم والوزراء والخدم والخيول المحملة بالخيام والمتاع، وبعد سفر استغرق عدة اسابيع وصلت الحملة إلى غابة كثيفة الاشجار، وعلى احداها يقيم الرجل المطلوب، طلب الحاكم من أتباعه البقاء بعيدا، وتقدم هو نحو الشجرة وصاح معلنا عن نفسه: «انا فلان الفلاني وجئت من مكان بعيد للتحدث معك، أنا لدي سؤال مهم.. مرت دقائق ولم يسمع ردا، تجاهل كبرياءه وواصل حديثه: «اسمع.. سؤالي محدد وواضح، أخبرني خلاصة الحكمة، أو أهم الكلمات التي نطق بها الحكماء.. سادت فترة صمت اخرى طويلة، ولم يسمع سوى خشخشة اوراق الشجر التي تداعبها الرياح، وقبل ان يفقد صبره جاءه صوت من اعلى الشجرة يقول: «لا تفعل أمورا سيئة، ولتقم دوما بالاشياء الصالحة، هذي هي نصيحة الحكماء»، ولكن الحاكم لم تعجبه هذه الاجابة البسيطة التي لا تستحق أن يغادر قصره المريح، ويقطع كل تلك المسافة المرهقة، فعاد يقول باستياء: «ما هذه النصيحة؟ حتى أحفاد احفادي الذين يبلغون الثالثة من عمرهم يعرفون هذا الكلام» ابتسم الحكيم بتسامح، وقال بهدوء: «نعم.. من هم في سن الثالثة يعرفون ذلك، ويمنعهم الجهل، وصغر السن من العمل بهذه الكلمات، ولكن ما عذر من هم في الثمانين؟»
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري