كتاب وأراء

المثقف الرقمي

أبرزت الأزمة الخليجية نمطا جديدا من المثقفين هو «المثقف الرقمي» انطلق كالصاروخ في سماء الاعلام لا يمتلك إجابة بقدر ما يمتلك قدرة على الاستجابة، لا يحتاج إلى أرشيف وذاكرة قوية بقدر حاجته إلى تفنيد وتكذيب خصمة، هو مثقف لا ينظر إلى الوراء، هو مثقف التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، هذا المثقف الرقمي الذي يتشكل داخل رحم الثورة التكنولوجية الرقمية، يبتدع لغة غير معهودة وتغريداته ساخرة ولغته ساخرة ولغته مجازية.
علينا النظر بموضوعية وبتعمق في هذه الظاهرة ظاهرة «المثقف الرقمي» بلا استعلاء ولا احتقار ولا إقصاء لقد أثبتت فاعليتها في الواقع الافتراضي المعاش وفضاءات الحرية، لم تعد مفاهيمنا ومناهجنا قادرة على فهم وتحليل أغوار عالم وسائل الاتصال الهادرة بالتغير السريع، يبدو هذا المثقف الرقمي في مواكبة مع مجتمعات ما بعد الحداثة، لكنه يبدو في مجتمعات لم تمر بمرحلة الحداثة بعد.. كائنا فضائيا، ليس تقليلا لدوره ولكن لأنه لا يستطيع التعامل مع مشكلات الراهن المعاش لهذه المجتمعات بشكل يمكن معه حلها، لذلك هو قد يبدو ظاهرة تجريف للحياة الثقافية، لأن التكنولوجيا نتجت عن ثقافة مستوعبة تم البناء عليها، في حين أنها في مجتمعاتنا استيراد للاستخدام وللدفاع عن الذات وقد تنجرف لتقتل الثقافة التي لم تنتجها كابن شرعي لها.
تعامل المثقف الكلاسيكي الورقي مع قضايا الأمة تعاملا تاريخيا، لأنه كان يعتقد بإيمان بالغ بأن الأزمة هي أزمة الأمة بأكملها، قضية الاستقلال، الأمية، التأخر العلمي، الطائفية.. الخ،
أقصى تهديد قد يواجه المثقف الرقمي اليوم هو «إنتاج المعنى» وليس مجرد الحضور، المعنى الذي يعكس مفهوم القيمة في الحياة، لذلك نسمع اليوم مصطلحا غريبا يُتداول وهو مصطلح «الذُباب الالكتروني» وهذا دليل واضح على غياب المعنى تماما، لذلك السؤال الذي يواجه المثقف الورقي هو لماذا لا يظهر في وسائل الاعلام؟ والجواب، لأنه لا أحد ينتظر الاجابة منه، حيث المطلوب هو انتصار صناعة الكذب وترويجها حتى يصدقها الناس وهنا يكون المثقف الرقمي قد حقق ما يصبو إليه وما يعتقده حقيقة ليس لأنه يتعمد الكذب ولكن لأنه يرى الواقع من خلال الأرقام، والأرقام لا تحمل ذاكرة وليس لها أذن تردد الصدى.
الدولة والمجتمع في منطقتنا يتعرضان لضغوط شديدة نتيجة للثورة التكنولوجية السريعة التي تجتاح العالم لأننا الجانب الأضعف علميا في هذا الكون.
بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر