كتاب وأراء

الفرسان يغمدون سيوفهم

من حق المبدعين علينا أن نحتفي بهم ونحيي ذكراهم إذا تركوا دنيانا، لا أن نتركهم للنسيان، فهم النخبة وعصارة عبقرية الأمة، ومن الندرة بحيث أن الأمة قد تحتاج سنوات طويلة جداً لتعوض من نفقد منهم.
تحل غداً الذكرى الثلاثون لرحيل المبدع ناجي العلي، إذ انتقلت روحه إلى بارئها في 29/8/1987 بعد أن ظل في المستشفى إثر اغتياله بالرصاص في أحد شوارع لندن، وما زال المجرمون طلقاء، ولم يكشف سر الجريمة، لأن أحداً لا يريد له أن يكشف، فقد تصيب الشظايا أسماء كبيرة في عالم السياسة العربية، ولكن ناجي العلي ما زال من خلال «حنظلة» أكثر حياة من الأحياء.
وبعد غد تحل الذكرى الحادية عشرة لرحيل أديب الرواية العربية نجيب محفوظ الذي رحل في 30/8/2006 وهو العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل باستحقاق. وعندما طلب مني أن أقول كلمة بمناسبة وفاته كتبت «كلنا خرجنا من حارة نجيب»K ولم أكن أشير إلى روايته المثيرة للجدل «أولاد حارتنا» وحدها، بل كنت أشير إلى زقاق المدق وخان الخليلي والسكرية وقصر الشوق وبين القصرين وغيرها، وما من كاتب قصة أو روائي عربي لم يتأثر بنجيب محفوظ قليلاً أو كثيراً، وإن اختط لنفسه أسلوباً مغايراً، فهل حظي ويحظى أبو الرواية العربية الحديثة بالاهتمام الذي يستحقه؟
وقبل أيام نعت الأخبار أديباً متعدد الاهتمامات وأشكال الإبداع، القاص والروائي والمؤلف المسرحي والسينمائي والتليفزيوني والإذاعي محفوظ عبد الرحمن الذي أعطى الأدب العربي عامة، والسينما والمسرح والتليفزيون بخاصة أعمالاً خالدة من أروع الأعمال طوال خمسين عاماً، وصدرت مجموعته القصصية الأولى عام 1967، بينما صدرت روايته الأولى 1972.
تعود معرفتي بالراحل إلى عام 1977 حين عرضت في دمشق مسرحيته الرائعة «حفلة على الخازوق» التي قدمها المخرج المبدع الراحل صقر الرشود عام 1975، ولاقت إعجاباً من الجمهور والنقاد على السواء، ولفتت المسرحية انتباه المسرحيين حيثما عرضت، وفي العام التالي قدم الثنائي الرائعة الأخرى «عريس لبنت السلطان». ورحنا نتابع أعمال هذا المؤلف المغرم بالتاريخ ويعرف كيف يستخرج منه الكنوز.
في الثمانينيات شكل مع المخرج عباس أرناؤوط ثنائياً رائعاً في أعمال تاريخية منها: عنترة، وسليمان الحلبي، وليلة سقوط غرناطة، وكتابة على لحم يحترق، والفرسان يغمدون سيوفهم، ومصرع المتنبي، وقد أتيحت لي فرصة الاحتكاك المباشر بالمؤلف والمخرج عندما عملت معهما مدققاً لغوياً، وتلك أيام لا أنساها. كان الراحل مثقفاً بحق، لا يتملكه الغرور، وكان طيباً مع الجميع، ويمتلك حساً كوميدياً فطرياً، وأستغرب أنه لم يكتب الكوميديا. كان محبوباً من الجميع، يحترمهم كلهم فيحترمونه.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين