كتاب وأراء

جولة كوشنير .. سلام الهيمنة المستحيل روح المقاومة موجودة في مواقف الشعوب العربية والإسلامية

أنهى جيرارد كوشنير (كبير مستشاري البيت الابيض) في الشرق الأوسط رحلة شملت أراضي السلطة الفلسطينية إلى جانب كلٍ من: تل أبيب وعمان والقاهرة والرياض وأبوظبي والدوحة. هدفت الجولة لتشكيل تصور لحل للنزاع العربي- الإسرائيلي.
وقد رافق كوشنير دينا حبيب باول المصرية الأصل نائب رئيس مجلس الأمن القومي للشؤون الاستراتيجية بالإضافة لجيمس غرينبلات مبعوث الرئيس للمفاوضات والذي عمل لسنوات طوال كمحام ومستشار ترامب للشؤون الإسرائيلية. ومنذ قيام دولة إسرائيل على أراضي فلسطين في العام 1948 لم ينجح مبعوث أميركي في حل هذا النزاع.
فكوشنير المعروف بعلاقاته المميزة برئيس وزراء إسرائيل لا يمتلك الخبرة والمعرفة بأبعاد الصراع العربي- الإسرائيلي. قد يكون الشرق الاوسط بالنسبة لكوشنير أشبه بصفقة عقار جديدة، فهو لا يعي التاريخ والتواءاته ولا طبيعة القيم الأخلاقية المرتبطة بالحقوق والمشاعر والظلم التاريخي في الجانب الفلسطيني والعربي.
إن تحرك كوشنير في الشرق الأوسط استهدف تحقيق نجاح في أحد الملفات وذلك في ظل فشل الإدارة الأميركية الراهنة على كل الأصعدة. فقد أثار الرئيس ترامب الرأي العام الأميركي بموقفه مؤخرا تجاه جماعات النازيين الجدد والكوتلاكس كلان وغيرهما، بسبب حادثة فيرجينيا، والأهم أنه استفز اليهود الاميركيين ومنظماتهم. فقد اتهم ترامب بالعنصرية في موقفه من المجموعات التي تعادي اليهود والملونين. ونتج عن موقف ترامب الملتبس استقالات عدة بين مستشاري اللجنة الخاصة بالبنية التحتية الاميركية، كما وأعلن رجل الدين اليهودي الذي أشرف على تحول إيفانكا ترامب لليهودية إدانته لموقف الرئيس ترامب. لهذا بالتحديد جاءت جولة كوشنير في الإقليم لتؤكد بأن ترامب ملتزم بإسرائيل وصديق دائم لها ويمسك بملفات تهم العالم.
زيارة كوشنير لا تتضمن الجديد، والواضح من المقدمات بأن هدفها الحفاظ على احتلال إسرائيل للأرض وسيطرتها على المكان. فإن كانت القدس، وهي العاصمة المطروحة للدولة الفلسطينية ضمن المفاوضات السابقة غير خاضعة للتفاوض الآن، وإن كانت مناطق الاستيطان التي تسيطر على أجزاء كبيرة من الضفة الغربية المحتلة غير خاضعة للتفاوض، وان كان الجدار غير خاضع للتفاوض، وان كانت غزة ستبقى محاصرة والسيادة والحدود والعبور والمطار والحركة خارج المعادلة فما هو المطروح على الشعب الفلسطيني إذن؟ ونقل عن كوشنير في مجلة فانيتي فير في 23 أغسطس، بأنه قال لمجموعه صغيرة من المتدربين في العاصمة الاميركية: «قد لا يتوفر حل، لكن الرئيس طلب مني أن نركز على المشكلة، لهذا سنركز عليها لنصل إلى خلاصة صائبة في المدى القريب».
إن هدف كوشنير الأهم تجاوز الفلسطينيين وحقوقهم وخلق أرضية لعلاقة مباشرة بين دول عربية في منطقة الخليج وإسرائيل. الهدف من التحرك الأميركي جلب العرب لإسرائيل وجلب إسرائيل للعرب مع التفاف على القضايا الشائكة كالقدس والاحتلال والمستوطنات وحق العودة والعنصرية والعدالة والحقوق.
إن دخول العرب ومنطقة الخليج في فخ على جبهة المسألة الفلسطينية من صناعة إدارة الرئيس ترامب لن يحسن من فرص النظام العربي بل سيزيدها تعقيدا. إن تعاون النظام العربي التقليدي مع إدارة ترامب في توجه أقرب للاستسلام منه للتوازن سيفقده مزيدا من شرعيته. إدارة ترامب فشلت في كل السياسات بسبب عدم اتزان رئيسها وبسبب جموحه وبسبب تغير مكانة ودور الدولة الكبرى الأولى في العالم. هذا من جانب لكن من جانب آخر إن روح المقاومة مستمرة في صفوف الشعب الفلسطيني كما حصل مؤخرا في المسجد الأقصى، وروح المقاومة موجودة في مواقف وتوجهات شعوب الإقليم العربي والإسلامي. سيكون من الأفضل أن يضع النظام العربي كوابح حقيقية على اندفاعه نحو إدارة أميركية تزداد اهتزازا وبالكاد يحافظ رئيسها ومعه كوشنير ومستشاريه الذين جاءوا للشرق الاوسط على مواقعهم في البيت الأبيض.

بقلم : د. شفيق ناظم الغبرا

د. شفيق ناظم الغبرا