كتاب وأراء

قطر.. سر الثبات والصمود لم يصنعها التاريخ ولكنها هي التي تصنع التاريخ

- 1 -
العالم يشهد على أن الحكمة التي أدار بها القطريون خلافاتهم مع جيرانهم في مجلس التعاون الخليجي، ستُسهم في رفع شأن هذه الدولة وعلوِّ ذكرها في سجلات التاريخ.
قطر دولة لم يصنعها التاريخ، ولكن هي التي تصنع التاريخ، ظلت دوماً أقدامُها تقف على الحاضر بثبات وعيناها تنظران للمستقبل بتحدٍّ وثقة.
- 2 -
العالم أجمع ينظر بعيون الإعجاب والدهشة لمقدرة دولة قطر على التعامل مع الحصار الجائر وتجاوز كل الصعاب التي كان من المتوقع أن تُكابِدها.
مقدرة قطر على التعامل بهدوء واتِّزان وثبات انفعالي، مع مشروع الحصار مثل هزيمة معنوية وسياسية للدول الأربع.
ردود الفعل المنتظمة لقطر تجاه مشروع الحصار، أفرغته من محتواه ودفعت بالمحاصرين للتراجع عن الأهداف التي وضعوها، والتنازل عن السقف الذي حددوه لأنفسهم، حتى تحوَّل الحصار إلى مُقاطعة، والشروط إلى مبادئ!
التأييد والمؤازرة الواسعة التي حظيت بها قطر من قبل الشعوب العربية والإسلامية، وموقف الدول الكبرى الذي جاء لصالحها، كُلُّ ذلك جعل الدول الأربع – لا قطر- تحت الحصار المعنوي والسياسي.
مضوا بعيداً في التهديدات والوعيد، فصعب عليهم التراجع إلى حدود الممكن والمُتاح.
- 3 -
ربما كانت حساباتهم وتقديراتهم أن بمقدورهم إخضاع قطر في أيام قلائل، وإجبارها على التنازل عن إرادتها وسيادتها الوطنية.
صحيح أن قطر دولةٌ صغيرة الحجم لكنها عظيمة القيمة، تمتلك وعياً استراتيجياً رفيعاً، فهي تمضي إلى المستقبل، متمسكة بقيمها، على غير حال دول أخرى ذهبت إلى المستقبل دون زاد قيمي فأخذها الموج بعيداً.
قطر دولة مُتحرّرة بلا إغواء، ومحافظة بلا تزمت.
وفي السياسة هي نموذج للدول التي وجدت المعادلة المناسبة، بأن تحقق المصالح، دون أن يكون ذلك على حساب المواقف والمبادئ.
- 4 -
لأكثر من عام لم أزرْ دوحة العرب، في كل مرَّة تجمعني الصدف بعائد من هناك إلى السودان أسأله سؤالاً واحداً:
ماذا تغير بعد الحصار؟!
أصدقكم القول كنتُ أتوقَّع أن يترك الحصار المُعلَن آثاراً سالبةً على حركة الحياة، ومعاش الناس وأمزجتهم.
كنت أتوقع موجة غلاء طاحنة تعصف بالمغتربين إلى بلادهم، وبالمواطنين إلى المهاجر.
كلمة (حصار) تُعطي ذلك الانطباع، بل كانت التوقعات أن الخطاب العدواني المُوجَّه نحو قطر من دول الحصار، ستكون نهايته تحركاً عسكرياً لا يُبقي ولا يذر.
ماذا تغيَّر بعد الحصار؟
كانت الإجابات تأتي متطابقةً تماماً، رغم اختلاف وتعدد المجيبين. المدهش بالنسبة لي أن التطابق حتى في الكلمات والاستشهادات: (لا شيء تغيَّر، كنا نشتري الألبان من السعودية الآن نشتريها من تركيا وإيران بجودة أعلى وسعر أقل).
- 5 -
تذكرت ذلك الهاشتاق الساخر الذي استشهدت به مجلة الإيكونوميست البريطانية في تقريرها الصادر الخميس 15 يونيو 2017.
قالت المجلة، إن هاشتاقاً ساخراً أغرق تويتر عقب اندلاع الأزمة الخليجية بين قطر من ناحية والسعودية والإمارات والبحرين، من ناحية أخرى، للسخرية من تأثير الحصار على الأوضاع الداخلية في قطر.
ونقل الهاشتاق الساخر أن فندق الفورسيزنز بالعاصمة الدوحة تقشَّف، فصار شلال الشوكولا يسيل بدل أن يجري، وأن بعض الضيوف أقبلوا على أطباق الكافيار لتكديس أكبر قدر ممكن منها قبل النفاد، وأما سبل ومخارج الهرب والإخلاء، فيتم تحضير «يخوت النجاة» لها.
المجلة البريطانية اعتبرت أن نقص المواد الغذائية في قطر نكتة ساذجة؛ لأن الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد في قطر يجعل من قطر واحدة من أغنى دول العالم.
اللهم أدمها نعمة واحفظها من الزوال.
-أخيراً-
كانوا يظنون، ضغطة وأخرى، سرعان ما سيرفع المُصارع القطري يده ملوحاً بالاستسلام.
خابت توقعاتهم وصعب عليهم التراجع، فاضطرب الخطاب وأظلمت الرؤية، فضل بهم الطريق، (فلا أرضاً قطعوا ولا ظهراً أبقوا).
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال