كتاب وأراء

الخطاب الشعبوي أعاد أميركا لأجواء العنصرية مجددا

عادت الولايات المتحدة لأجواء التمييز العنصري التي استطاعت عبر نضال طويل التخلص منها منذ ستينيات القرن الماضي. ولكن السبب هذه المرة لا يعود إلى انتكاسة كبرى في الحقوق المدنية أو إحياء الصراع بين البيض والسود، فقد تجاوز الأميركيون تلك الحقبة السوداء منذ عقود طويلة، ولكن الخطاب الشعبوى الذي لازم ظهور الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب كان له تأثير واضح في إحياء أجواء العنصرية مجددا.
ما حدث هو أن الخطاب الشعبوي كان قد أوجد لنفسه منصات للتأثير في الحياة السياسية الأميركية، وتزعم ترامب وفريقه من ناحية، واليمين المتطرف من ناحية أخرى هذا التوجه، باعتباره مسارا يضمن تحقيق مكاسب سياسية أكثر من غيره وله جاذبية عند قطاع لا يستهان به من الأميركيين في السنوات القليلة الأخيرة.
من الطبيعي وسط المناخ السياسي الذي أشاعه الشعبويون في الولايات المتحدة أن يحدث الانقسام المجتمعي وأن تتجدد الخصومات القديمة بين فئات مجتمع هو بطبيعته متعدد الأعراق، وفي القلب من هذا لم يكن مفاجئا أن تتشجع الجماعات العنصرية على إحياء دورها والتأثير على مجريات الأحداث السياسية في البلاد.
النسخة المعاصرة من جماعة كلو كلوكس كلان العنصرية قررت تنظيم تظاهرة كبيرة في مدينة تشارلو توسفيل بولاية فيرجينيا من البيض المتعصبين، احتجاجا على قرار من مجلس المدينة بإزالة تمثال يرمز لحقبة العبودية هو للجنرال روبرت لى الذي كان من دعاة الإبقاء على العبودية خلال الحرب الأهلية. ولكن مظاهرة مضادة تصدت لها من المناوئين للعنصرية. ولأن هذه الجماعة تؤمن بنقاء العرق الأبيض ورفض وجود الآخرين وكذلك بالعنف المسلح وقعت اشتباكات دامية بين الطرفين.
انتظر الأميركيون، بل والعالم الخارجي أن يدين الرئيس ترامب الحادث وأن يعلق بهذا المعنى في تغريداته المعتادة العديدة كل يوم تقريبا، ولكنه تأخر يومين كاملين، وعندما علق– تحت الضغط- ساوى بين الطرفين في الخطأ، أي بين العنصريين والمناوئين لهم وحمل كليهما المسؤولية! وقال إن هناك أناسا طيبين في الجانبين. وبعد أن وجد ثورة غضب عامة لموقفه الغريب عاد للتعليق، بعد مرور عدة أيام معبرا عن انتقاده وإدانته للعنصرية وللجماعات التي تتبناها. من الصعب وصم الرجل بالعنصرية. ولكنه الخطاب الشعبوي الراسخ على قلب وعقل الرجل هو الذي دفعه تلقائيا لاتخاذ موقف لا يزعج العنصريين. إنه يريدهم إلى جانبه سياسيا حتى لو كان ذلك ضد القيم الأميركية ويرى بينهم أناسا طيبين، فهكذا تفرض عليه الشعبوية أن يغازلهم أو يتبنى مطالبهم. الشعبوية لا تضع حسابا للقيم وإنما للمنافع القريبة وتوسيع نطاق الالتفاف الشعبي حول صاحبها طالما هو يتعاطف مع مطالب جمهورها.
أوباما جاء موقفه على النقيض تماما. قال في تغريدة نالت إعجاب نحو ثلاثة ملايين أميركي تعليقا على حادث فيرجينيا، «لا يولد أحد يكره شخصا آخر بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه»، والمعنى أن الناس يولدون على عدم التمييز، وأن التربية أو الظروف المحيطة هي التي تجعلهم إما يحبون أو يكرهون بعضهم البعض. والرسالة هنا موجهة منه لترامب واليمين المتطرف يقصد بها أن سياساته تقود إلى ما جرى في فيرجينيا، وهي سياسات تعتمد على الخطاب الشعبوي وليس على القيم والمؤسسات.
السؤال الذي لم يطرحه لا أوباما ولا غيره من النخب والسياسيين الأميركيين، هو لماذا وجد ترامب الطريق سهلا إلى البيت الأبيض ووجد تجاوبا مع خطابه الشعبوي؟ فبعيدا عن أية انتقادات توجه للرجل ولخطابه السياسي، لماذا عجزت المؤسسات العتيقة الأميركية عن وقفه. والإجابة المسكوت عنها هي أن هذه المؤسسات ذاتها أصابها الوهن والانقسام، وتتحمل جانبا من وزر ما جرى ومن صعود اليمين المتطرف والجماعات التي من أمثال الكلوكلوكس كلان.. أميركا في حاجة لأن تراجع نفسها شعبيا ومؤسساتيا قبل أن تجرفها الشعبوية إلى العنصرية مجددا.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد