كتاب وأراء

النموذج الصيني في التنمية : كيف تحقق؟

عند الإعلان عن تأسيس جمهورية الصين الشعبية في الأول من أكتوبر 1949 تسلمت الحكومة الصينية أو الحزب الشيوعي الصيني اقتصادًا مهترئا، ومتآكلا ومنهكا يحتل المقاعد الأخيرة عالمياً. فعلى سبيل المثال كان نصيب الفرد من الدخل القومي آنذاك لا يتعدى 66 ايوان صيني أو ما يعادل 44 دولار أميركي (بينما كان نصيب الفرد الأميركي من الدخل وقتها حوالي 1510 دولارات). والسبب الرئيسي لهذا التخلف الاقتصادي كان كمية الأضطرابات الداخلية والحروب والغزوات الأجنبية التي عانت منها الصين كثيراً.

فعلى مدى 100 عام (من 1840 إلى 1945) مرت الصين باثنتي عشر حربا وثورة كبيرة فيما عرف بحروب الأفيون الأولى والثانية والحرب الفرنسية والحرب اليابانية والحرب العالمية الثانية بالإضافة إلى الحروب الداخلية (مثل حركة مملكة تايبينج السماوية وحركة بيهتوان وحرب أمراء الشمال وحرب السهول الوسطى ..الخ)

فكيف يحتل الاقتصاد الصيني الآن المرتبة الثانية من حيث حجم الناتج المحلي بعد الاقتصاد الأميركي وكيف أرتفع متوسط نصيب الفرد من الدخل إلى حوالي ثمانية آلاف دولار العام الماضي (2015). والإجابة في الحقيقة تكمن في اتباع نموذج اقتصادي ملائم تمكنت من خلاله الحكومة الصينية من تحويل مشكلة الكم السكاني الهائل إلى ميزة تنافسية واقتصادية. هذا النموذج هو الذي أسسه الاقتصادي البريطاني الشهير «سيرآرثر لويس» في مقالته عن «التنمية الاقتصادية باستخدام العرض غير المحدود للعمالة» التي نشرها في عام 1954 ونال على إثرها جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1979.

ونموذج لويس يفترض أن الاقتصاد ينقسم إلى قطاعين أحدهما تقليدي ومتخلف (عادة القطاع الزراعي) حيث إنتاجية العامل سالبة أو صفر والأجر يتحدد اجتماعيًا بغض النظر عن الإنتاجية والقطاع الآخر أكثر حداثة (عادة القطاع الصناعي) وإنتاجية العامل فيه موجبة وأجره يتحدد بإنتاجيته. ويسهب لويس في شرح الأسباب التي تؤدي إلى تخلف القطاع التقليدي ولكن أهمها هو التكدس السكاني وعلاقات العائلات الممتدة التي تجعل العشرات من أفراد العائلة الواحدة يعملون في حقل واحد صغير بغض النظر عما إذا كانت هناك حاجة لهم أم لا.

وتبدأ التنمية في هذا النموذج حين يتم نقل العمال من القطاع التقليدي (الزراعي) إلى القطاع الحديث (الصناعي) بعد تدريب بسيط مما يؤدي إلى ارتفاع الإنتاجية في القطاعين (التقليدي لتخفيف التكدس والتخلص من البطالة المقنعة و(الحديث) لزيادة إنتاجية العمال .. وطبعاً يشترط لويس أن يكون هناك طلب على المنتجات التي ينتجها القطاع الحديث حتى يستمر توظيف العمال وزيادة الإنتاجية ومن ثم الربحية التي يعاد استثمارها في القطاع نفسه إلى أن تحدث التنمية ويكون هناك تساو أو توازن بين الأجورفي كلا القطاعين.

نفذت الصين هذا النموذج بحذافيره وتم نقل أكثر من 350 مليون عامل من القطاع الزراعي إلى القطاع الصناعي الحديث الذي تم إنشاؤه في المدن الساحلية وتم جلب رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في هذا القطاع وسعت الشركات العالمية الى الاستفادة من أجور العمالة المنخفضة في الصين ونقلت الكثير من مصانعها الى هناك لتنتج ثم تصدر منتجاتها إلى العالم الخارجي حتى اصبحت الصين مصنع العالم والمصدر الأكبر خلال الثلاثين عاماً الأخيرة.

ومن نتائج هذه التنمية السريعة أن الصين استطاعت أن تخرج بأكثر من 660 مليون مواطن من تحت خط الفقر العالمي وأصبحت الصين الآن هذه القوة الاقتصادية الهائلة التي إذا أصيبت بنوبة برد عطست كل بلاد العالم المتعاملة معها.

ولكن في خلال الخمس سنوات الأخيرة بدأت معدلات النمو في الصين (التي كانت وصلت إلى 17 و18 في المائة) في الانخفاض ووصلت العام الماضي إلى 7 % فقط ولا أعتقد انها ستصعد الى معدلاتها العالية مرة أخرى إذ بدأت موجة الانحسار. ماهى الأسباب التي أدت إلى هذا التناقص؟ ولماذا لن ترى الصين المعدلات العالية وغير المسبوقة من الآن فصاعداً؟

هذا ما سنكتب عنه في المقالة القادمة.

بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي