كتاب وأراء

أبعد من الأزمة الكورية هل يعتبر السلاح النووي «قوة ردع»؟

منذ حوالي نصف قرن، في عام 1953 انتهت الحرب في كوريا. وفي عام 2017 تبين ان ذلك كان توقفاً وليس انتهاء. وكان توقفاً مؤقتاً. اليوم تقف كوريا على قاب قوسين أو أدنى من انفجار الحرب من جديد. ولكن هذه المرة بسلاح نووي وصاروخي بعيد المدى. في عام 1994 أعدّت الولايات المتحدة مخططاً لتدمير كوريا الشمالية. يومها طلب وزير الدفاع وليم بيري من هيئة الأركان إعداد خطة عسكرية للقيام «بعملية جراحية» في كوريا. وضعت الخطة بالفعل وكانت تستهدف المفاعل النووي الوحيد الذي كانت تملكه في ذلك الوقت. غير ان الإدارة الأميركية أعادت النظر في موقفها عندما تبين أن العملية من شأنها أن تؤدي إلى مقتل مئات الآلاف، وانها ستكون بمثابة «هيروشيما ثانية».
الآن تملك كوريا الشمالية عدة مفاعلات نووية. كما تملك ترسانة نووية، وصواريخ متوسطة وبعيدة المدى. يعتبر الصاروخ عابراً للقارات إذا كان مداه يصل إلى 5500 كيلومتر. ولقد أطلقت كوريا صواريخ بلغ مداها 6700 كيلومتر. أي انها تصل إلى آلاسكا والى القواعد العسكرية الأميركية في جزيرة غيام في المحيط الأطلسي، وكذلك في اليابان وكوريا الجنوبية. معظم هذه الصواريخ إما مخبأ في ملاجئ سرية تحت الأرض، أو أنه محمول على قواعد متحركة، الأمر الذي يجعل توجيه ضربة استباقية لتدميرها أمراً متعثراً.
تفصل بين الكوريتين الشمالية والجنوبية حدود هي الأشد تسلحاً في العالم. وتؤكد المعلومات العسكرية ان كوريا الشمالية أقامت على الحدود 8000 مربض لمدافع بعيدة المدى. وان باستطاعة هذه المدافع إطلاق 300 ألف قذيفة مدمرة على الجنوب في الساعة الأولى للحرب. ولا تبعد سيئول– عاصمة كوريا الجنوبية- عن مرمى هذه المدفعية سوى 50 ميلاً فقط. أما عدد سكان سيئول وحدها فيبلغ عشرة ملايين شخص.
كل المدن الكورية الأخرى تقع في مرمى صواريخها القصيرة المدى. أما صواريخها المتوسطة والبعيدة فتصل حتى إلى اليابان حيث توجد قاعدة عسكرية أميركية تضم 150 ألف جندي أميركي.
تعرف الولايات المتحدة ان ثمة مجموعة من الصواريخ الكورية الشمالية موجهة إلى هذه القاعدة تحديداً، لأنها تشكل القوة الخلفية للوجود العسكري الأميركي في شرق آسيا.
وفي تقدير معهد نوتيلوس للدراسات العسكرية فان عدد ضحايا اليوم الأول للاشتباك بين الكوريتين لن يقل عن 60 ألفاً، وأن معظم هؤلاء الضحايا سوف يسقطون خلال الساعات الثلاث الأولى فقط. أما العدد المقدر للضحايا في الأيام الثلاثة الأولى فيبلغ 300 ألف. ولتجنب هذه المأساة تستعد كوريا الجنوبية منذ سنوات عديدة. فقد جهزت 3300 ملجأ في سيئول وضواحيها، وقد تحولت حتى محطات قطار الأنفاق إلى ملاجئ طارئة.
وفي تقدير المعهد أيضاً ان 60 بالمائة من سكان كوريا الجنوبية يقعون في مرمى المدفعية والصواريخ الشمالية. فإذا انفجرت الحرب من جديد، فان الكوريتين سوف تتعرضان للتدمير.. ولن تنجو من تلك الكارثة لا اليابان ولا القوات الأميركية في المنطقة. تجيب هذه الوقائع عن السؤال الذي يتردد حول أسباب تراجع الرئيس ترامب عن التهديدات المباشرة التي وجهها إلى كوريا الشمالية رداً على تجاربها الصاروخية. فقد أدت تلك التهديدات إلى تهديدات معاكسة.. مما زاد الطين بلة.
استحدثت الولايات المتحدة مع حلفائها سلاح العقوبات والمقاطعة. ولكن ذلك لم يؤدِ إلى أي نتيجة أيضاً. واستخدمت سلاح التشويه والسخرية بالرئيس الكوري ووصفته بانه «مهزوز» عقلياً.. إلا ان الرجل تحمّل المقاطعة، والعقوبات، وتجاوز السخرية ليشكل اليوم تهديداً أمنياً ليس فقط لحلفاء الولايات المتحدة في شرق آسيا، إنما للولايات المتحدة ذاتها.
من هنا لا يبدو ان المقاطعة سوف تكون فعالة هذه المرة. ولا يبدو ان السخرية نجحت في تأليب الرأي العام الكوري الشمالي ضد رئيسه. وقد بلغ استخفاف الرئيس ترامب بالرئيس الكوري انه قال مرة: «أستطيع أن أعالج المشكلة معه على صحن همبرغر في البيت الأبيض»!!. الآن لم يبقَ سوى أحد أمرين: إما الحلّ السياسي، أو الحل الأمني.
عملياً لا توجد خريطة طريق للحل السياسي. كل ما في الأمر أن الولايات المتحدة كانت تعتقد أن الصين قادرة (بما لها من تأثير معنوي واقتصادي قوي على كوريا الشمالية) على اجتراح المعجزة. ولكن لماذا تقدم الصين حلاً بالمجان لأكثر القضايا الموجعة للولايات المتحدة.. وأشدها قلقاً لحلفائها (اليابان وكوريا الجنوبية). علماً بأن هذين الحليفين ليسا على علاقة جيدة مع الصين؟.
وعملياً ايضاً لا توجد خريطة طريق للحلّ العسكري. كل ما في الأمر هو حشد قوات وتهديدات، تعرف كل أطراف الصراع أنها غير قابلة للتنفيذ، لأن تنفيذها يعني دماراً نووياً تدفع الإنسانية كلها – وليس منطقة الصراع فقط- ثمنه غالياً جداً. فالعالم الذي يصرخ شاكياً بألم شديد من التلوث الحراري الخطير، كيف سيتعامل مع التلوث النووي الأشد خطراً؟!.
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية فرضت على العلاقات الدولية قاعدة عسكرية – سياسية. تقوم هذه القاعدة على ان السلاح النووي ليس قوة حسم، ولكنه قوة ردع. احترمت هذه القاعدة ليس فقط في الصراع بين واشنطن وموسكو، ولكن حتى في الصراع بين إسلام اباد ودلهي.
فهل تحترم هذه القاعدة الآن بين واشنطن وبيونغ يانغ؟.
بقلم : محمد السماك

محمد السماك