كتاب وأراء

كـــثـــيـــراً مـــا نـــقــــرأ

يجد كثير من المحررين والكتاب وقارئي الأخبار والمذيعين صعوبة في التعامل مع فعل «لقي والتقى» والمصدر «اللقاء» وقد عد لسان العرب ثلاثة عشر مصدراً من فعل «لقي والتقى» ولا تهمنا الآن، وكثيراً ما نقرأ: والتقى الرئيس بملك البلاد، أو: والتقى الوزير بأهالي المنطقة، أو: وكان لقاؤه بالمسؤولين مثمراً، وقد يستعملون الحرف «مع» بدلاً من «الباء» وهذا كله خطأ، لأن فعلي «لقي والتقى» يتعديان دون الحاجة إلى حرف الجر، ونعرف أن الفعل المتعدي نوعان: نوع يتعدى بنفسه، ونوع يتعدى بحرف جر، وثمة أفعال يمكن أن تتعدى بأنفسها أو بحروف الجر، وثمة أفعال يمكن أن تكون لازمة ومتعدية، ونعود إلى فعل «لقي» الذي يتعدى بنفسه ومثله «التقى»، كيف الهروب من هذه المشكلة؟ إنها مشكلة بسيطة: التقى العاهلُ... العاهلَ، أو: لقيَ، وبدل القول: وكان التقاء الملك بالرئيس أو مع الرئيس، نقول: وكان لقاء الملك والرئيس.
نجد في النحو العربي المفرد والجمع، وهذا شيء معروف للجميع ولا حاجة لشرحه، ولن ندخل في أنواع الجمع، ولكن الدارسين يعرفون أن في النحو جموعاً كثيرة، هي جمع التكسير مثل عنق وأعناق، ووقت وأوقات، وثوب وأثواب، وعمّ وأعمام وهكذا. ثم جموع القلة، وجموع الكثرة، ومنتهى الجموع، ويهمنا منها الآن ما يتردد كثيراً في الأحاديث والكتابات. تقرأ: وأجرى عليه الطبيب «فحوصات» متعددة، أو: طلب منه الطبيب إجراء «فحوصات» أو: وأخضعوا المادة لـ «فحوصات» كثيرة، وتتساءل: كم فحصاً أحرى الطبيب؟ جمع كلمة فحص فحوص، أما فحوصات فهي جمع الجمع أو منتهى الجموع. والأشهر كلمة «أهرامات» إذ كثيراً ما نقرأ إن «أهرامات» مصر معجزة هندسية، بل قد يحددون فيقولون «أهرامات» الجيزة مع أنها ثلاثة، وتقرأ في أخبار فنان عالمي مثلاً: وزار «الأهرامات» والتقط الصور عندها. الأصل «هرَم» وهو الشكل الهندسي المعروف، والجمع «أهرام» هل تذكرون الآن الجريدة الشهيرة؟ وجمع الجمع أو منتهى الجموع «أهرامات» فهل يجدون كلمة «أهرامات» أفخم؟ أم ساد الخطأ؟
قبل سنوات كنا في سهرة مختلطة، وجرى الحديث كالعادة عن المسلسلات، وخصوا واحداً منها، فقالت إحدى السيدات «لقد فظـَّعت الممثلة في هذا المسلسل (وأظنها كانت تتحدث عن منى واصف) وكانت تعني أنها أجادت وأبدعت، وقلت لها: لقد أردت أن تمدحيها فذممتها وشتمتها، لأن الفظيع هو الشنيع.
ومرة أراد أحدهم امتداح إجادتي اللغة فقال: إن لغتك العربية فظيعة. قلت: جزاك الـلـه خيراً، والـلـه لو كان أعجمي يتحدث العربية لما قلنا له هذا.
مشكلتنا مع هؤلاء أنهم لا يتوخون الدقة في اختيار الألفاظ، فالأولى قالت «فظعت» (بتشديد الظاء، ولا وجود لصيغة المبالغة هذه في اشتقاقات الفعل فظع) والآخر قال إن اللغة «فظيعة» وكلاهما كان يقصد المديح وإظهار الإعجاب.
الفظيع ليس الشنيع فحسب، بل هو الشديد الشناعة، والفعل «فظـع» (بضم الظاء) فظاعة، والفظاعة منتهى الشناعة، حتى عند العامة ترد بهذا المعنى، يقولون في سورية «فظاعة شو بخيل» أي إن بخله يدخل في صفة الشناعة. ولم يرد الفعل ولا المصدر ولا الصفة ولا اسم الفاعل في القرآن الكريم، وجاء في الحديث الشريف قوله صلى الـلـه عليه وسلم «لما اُسري بي فأصبحت بمكة، فظِعت بأمري» أي اشتد عليّ وهِبته، ويقال: فظِع بالأمر: ضاق به ذرعاً. قال أبو العتاهية:
ولـلـه يومٌ أيُّ يـومِ فـظاعة وأفظع منه بعدُ يومُ قيامتي
وقال عمرو بن معديكرب الزبيدي:
وقد عجبت أمامة أن رأتني تـَـفـرَّع لِمَّـتي شـيبٌ فـظـيع
قلنا في شرح الحديث الشريف في الفقرة السابقة «فظِع بالأمر: ضاق به ذرْعاً» وهذا المصطلح يتكرر كثيراً قي الكتب القديمة، وقد نجده في بعض الكتابات الحديثة، فمن أين أتى تعبير «ضاق به ذرعاً»؟
فعل «ضاق» معروف، أي صار ضيقاً، وهو عكس اتسع، فلا يبقى إلا «ذرعاً» وقد يقال: ضاق به ذرْعه أو ذِراعه، والذرع أو الذراع «الخُلـُق» وهو الطاقة أيضاً، إذن ضاق بالأمر ذرعاً أو ذراعاً: ضاق عنه خلقه، ألا نقول: فلان ضيق الخلق؟ أو ضعفت طاقته عن استيعاب الأمر، ولم يجد من المكروه تخلصاً ولم يقوَ عليه. وأصل الذرْع بسط اليد، فيكون ضاق ذرعاً: مدّ يده فلم تنله، ويقال: ما لي به ذرْع ولا ذراع، أي ليس لي به طاقة.
قرأت لكاتب يزين اسمه بلقب دكتور، وهو كاتب مجيد بالمناسبة: ونكتشف بالصدفة البحتة، وقرأت لآخر: وبالصدفة المحضة. أما «الصدفة» فقد بيّـنا خطأها مراراً، وقلنا إن المعجم العربي يخلو من كلمة «صُدْفة» والصحيح القول «مصادفة» فما معنى البحتة أو البحت والمحضة أو المحض؟
البحت هو الخالص من كل شيء، يقال: عربي بحت، وأعرابي بحت، وأعرابية بحتة، أي الخالص النسب ليس فيه هجنة. الخبز بحتاً: أي دون إدام، وهو ما نقول عنه في العامية «حاف». وباحته الوُدَّ: أخلصه له. و«المحض» من كل شيء: الخالص الذي لا تشوبه شائبة، و«محض الإيمان» خالصه وصريحه، ويجوز تأنيث الكلمة، فنقول: فضة محضة. وأمحضه ومحضه الودّ والنصيحة: أخلصه وصدقه.
كثيراً ما نقرأ في الكتب القديمة أن أحدهم قال للآخر: «لا فُضَّ فوك» وهذا بناء للمجهول من القول «لا فـَضَّ الـلـه فاك» وقد نقرأ هذه العبارة أو نسمعها الآن، فما معنى هذا؟
فضضتُ الشيء أفضه فضّاً: كسرته وانفض الشيء: انكسر، هل تذكرون القول: وانفض الاجتماع؟ وفي الدعاء: لا يفضض الـلـه فاك، أي لا يكسر أسنانك، وأنشد الشاعر النابغة الجعْدي قصيدة بين يدي رسول الـلـه صلى الـلـه عليه وسلم فقال: لا يفضض الـلـه فاك، فعاش مائة وعشرين سنة لم تسقط له سنّ.
قرأت في مقالة «وتهافت عليها الشراء من كل حدب وصوب». أما قول الكاتب: وتهافت الشراء، فخطأ فادح، ولا أدري من أين أتى بهذا الجمع. نقول «شرى، يشري، فهو شارٍ» والجمع شراة، وقد تسمت بهذا الاسم «الشراة» فرقة من الخوارج، والأبسط أن يقول «الشارون». ولعل الكاتب أراد المصدر، ولكن المصدر لا يتهافت.
لكن ما يهمنا الآن قوله «من كل حدب وصوب» وهو اصطلاح لم يعد مألوفاً في الكتابات الحديثة، ونجد صعوبة حتى في قراءة كلمة «حدب» هل هي بتسكين الدال أم بفتحها؟
الحدب (بفتح الدال): كل موضع مرتفع من الأرض، وفي هذا تشبيه بالحدَبة التي تكون في ظهر الأحدب أو الحدْباء. والحدبة ما غلظ من الأرض وارتفع. وردت الكلمة مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة الأنبياء «حتى إذا فُتحت يأجوح ومأجوج وهم من كل حدَبٍ ينسِلون» ولم يقل القرآن الكريم «من كل حدب وصوب». والصوب: الجهة، حتى إن العامة يستعملونها بهذا المعنى فيقولون «صُوب كذا» بضم الصاد. ويكون معنى المصطلح «من كل حدب وصوب»: من كل ناحية، فهل كان صعباً على كاتب يكتب الآن أن يقول «وتهافتوا عليها من كل ناحية ومكان»؟
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين