كتاب وأراء

: الإسلام والليبرالية الجراح التي خلفتها «ثورات الربيع العربي» لا تزال مفتوحة

نظم «صالون الكواكبي»، في إطار النشاط العلمي والبحثي لمركز «حرمون للدراسات المعاصرة»، لقاء حواريا تحت عنوان «الإسلام والليبرالية»، عقد في مدينة إسطنبول يومي 21 و22 أغسطس الجاري، وشارك فيه عدد من الباحثين والمفكرين والأكاديميين والسياسيين والبرلمانيين والنقابيين والصحفيين العرب، كان من بينهم حمادي الجبالي، الرئيس الأسبق للحكومة التونسية، وأحمد طعمة، رئيس الحكومة السورية المؤقتة الأسبق، وليث شبيلات، نقيب المهندسين الأردنيين الأسبق، وأبو يعرب المرزوقي، المفكر وأستاذ الفلسفة التونسي، وسعيد ناشيد، الباحث المغربي، وعبدالوهاب بدرخان، الصحفي اللبناني المعروف، وآخرون.
كان اللقاء جادا ومفيدا، وشهدت بعض جلساته اشتباكات وتجاذبات فكرية حادة، وصلت احيانا إلى حد تبادل الاتهامات، لكنه كان في مجمله حوارا راقيا غلب عليه الطابع العلمي واتسم بالصراحة، وابتعد عن المجاملات التقليدية، وعكس رغبة مخلصة من جانب الأطراف المشاركة في الإنصات باهتمام لم يقوله الآخر «المختلف». ورغم وعي المنظمين بسعة الفجوة التي تفصل بين المنظومتين الليبرالية والإسلامية على صعيدي الفكر والممارسة، وإدراكهم لتعدد الأطروحات داخل كل منهما وعدم وجود ليبرالية واحدة أو إسلام واحد، إلا أنهم كانوا على قناعة تامة بأن «أي حوار جاد بين الليبراليين والإسلاميين يجب أن يأخذ في الحسبان إمكان وجود احتمالات حقيقية وواقعية للتلاقح بينهما»، وهو ما أشارت إليه بوضوح الورقة الخلفية التي أعدها المركز حول أهداف اللقاء ومحاور القضايا التي سيدور حولها النقاش. وانطلاقا من هذه الروح الإيجابية، جرت مناقشات متعمقة لقضايا نظرية وفكرية كبرى، كقضايا التعددية والنخبة والحداثة والتنوير والإصلاح الديني وشروط النهضة، والإصلاح وإشكالية العلاقة بين الإسلاميين والليبراليين على صعيدي الفكر والممارسة، وشروط ومناهج التقارب أو المصالحة الممكنة بينهما..الخ.
لم يقتصر النقاش الذي دار في هذا اللقاء، والذي استغرق ست جلسات كاملة على مدى يومين، على الأطروحات والقضايا النظرية البحتة، وإنما حرص البعض أيضا على معالجة عدد من القضايا والإشكاليات التي كشفت عنها الممارسة، ولم يتم الاكتفاء بتشخيص الداء وإنما تم اقتراح وسائل للعلاج والبحث في كيفية تلافي الأخطاء في المستقبل، وحاولت بعض الأوراق استخلاص الدروس المستفادة من تجارب التحول الديمقراطي في بعض البلدان الإسلامية، كالبوسنة وتركيا وغيرها.
لقد خرجت من هذا اللقاء الهام والمفيد بمجموعة من الملاحظات، أهمها:
1 - أن الجراح التي خلفتها ثورات الربيع العربي على صعيد العلاقة بين الليبراليين والإسلاميين ماتزال مفتوحة لم تندمل بعد. فعلى الجانب الليبرالي، لم يتردد البعض في اتهام الإسلاميين بأنهم تسببوا في إفشال ثورات الربيع العربي، وعليهم من ثم تحمل كامل المسؤولية عن انتكاسة عملية التحول الديمقراطي التي أعقبت ثورات الربيع العربي. وعلى الجانب الإسلامي أيضا، لم يتردد البعض في اتهام الليبراليين بأنهم «قاموا باستدعاء العسكر» وتعاونوا معهم للتخلص من حكم الإسلاميين الذين وصلوا إلى السلطة عبر صناديق الانتخاب، بل وذهبوا إلى حد مطالبتهم بالاعتذار المسبق كشرط لفتح صفحة جديدة.
2 - رغم شعور المرارة المتراكم على الجانبين، يمكن القول إن التيار الغالب على الجانبين مازال يؤمن بإمكانية تجاوز الأزمة الراهنة بين الطرفين وبجدوى الحوار بينهما مجددا، بل ويعتقد أن الحوار هو السبيل الوحيد القادر على تذليل العقبات التي تعترض طريق التحول الديمقراطي في المستقبل.
3 - يوجد إحساس عميق لدى الطرفين بفائدة هذا النوع من اللقاءات وبالحاجة الماسة لاستمرارها في المستقبل، وهو إحساس مشوب بالرغبة في التركيز على القضايا التفصيلية وعلى الجوانب الإجرائية المتعلقة بآليات وأدوات التحول الديمقراطي، وعدم الاستغراق كليا في القضايا الفكرية والنظرية، رغم أهميتها القصوى.
4 - لكي ينجح الحوار يتعين على الجميع أن يتسلحوا بالصراحة وحسن النية وبحث سبل وآليات وإجراءات بناء الثقة بينهما.
أظن البعض منا كان مفرطا في التشاؤم قبل اللقاء، لكنه أصبح بعده أقل تشاؤما وكثر اقتناعا بأن كل محاولة مخلصة لردم الهوة بين الطرفين تستحق العناء.
بقلم: د. حسن نافعة

د. حسن نافعة