كتاب وأراء

دور المسائل الخلافية في السياسة التونسية

أثارت مسألة المساواة في الميراث وجواز تزوج التونسية بغير المسلم عاصفة كبيرة من ردود الأفعال المتباينة خاصة في المحيط العربي والمسلم لكنها في تونس لم تحرك ساكنا لدى الشارع التونسي عموما إلا من بعض النخب التي تنتهز الفرصة دائما لتسجيل موقف سياسي أو الانتقام من غريم وخصم إيديولوجي. السبب بسيط وهو أن الشارع العربي والمسلم أخذ الأمر على محمل الجدّ واعتبر الأمر سابقة خطيرة في حين اكتفى الشارع التونسي باللامبالاة لمعرفته المسبقة بشطحات السياسيين وأجنداتهم وخلفياتهم ولمعرفته كذلك بخلفيات توظيف المسائل الخلافية والمسائل المتعلقة بالهوية.
السؤال الذي يطرح هنا هو التالي: ما الذي دفع رئيس الجمهورية وحزب نداء تونس- الوريث الشرعي لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي أي حزب الرئيس الهارب بن علي- إلى إثارة هذا الموضوع الآن؟ ما هي الخلفية السياسية للمشروع؟ من هو المستهدف من هذا القانون سياسيا واجتماعيا؟ لمَ صمت التونسيون عن مشروع قانون بهذه الخطورة؟
الأجوبة بسيطة وواضحة: تونس اليوم على أبواب مواعيد انتخابية كبيرة منها الانتخابات البلدية الهامة ومنها الانتخابات الرئاسية والتشريعية غير البعيدة بمنطق الزمن السياسي. من جهة أخرى تعرف البلاد أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة بسبب فشل النخب السياسية الحاكمة وبسبب سيطرة نفس عصابات الفساد التي كانت تسيطر على كل مفاصل الدولة ومواردها منذ مرحلة حكم بن علي ولا تزال. سياسيا فشل تحالف بقايا النظام القديم مع حركة النهضة المحسوبة على الإسلاميين في تحقيق حدّ أدنى من شعارات الثورة التونسية، بل فشل في تحصين الثورة والدولة من مخالب الثورة المضادة التي نجحت في استرجاع كامل مجالها أو تكاد.
بناء عليه صار لزاما على النظام الجديد في تونس ممثلا في رئاسة الجمهورية والأطياف التي تحوم حولها من التأسيس لخطاب استفزازي يتحرك حول ثوابت الدولة وحول عقيدة الشعب وهويته. وليست مسألة المساواة في الميراث ومسألة الزواج بغير المسلم بخارجة عن هذا النسق. مسائل الهوية هي المسائل الأكثر اشتعالا في السياقات الاجتماعية الحساسة وهي قادرة على إثارة كم كبير من الغبار الاجتماعي القادر على التغطية على الفشل الذريع الذي منيت به الحكومة والتي تورط وزراء كثر من أعضائها في ملفات فساد كبيرة. إن هذه المسائل ليست في الحقيقة إلا بالونات اختبار وأعمدة دخان لإلهاء المجتمع والشعب عن مشاغله الحقيقية وللتغطية كذلك على فشل النظام الجديد وعن فضائحه التي لا تكاد تنتهي.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد