كتاب وأراء

كردستان .. أول أحجار الدومينو

بعد حسم الحرب على «داعش» يصعب الرهان على عودة الأمور إلى سابق عهدها في الإقليم المكتوي بالنيران. فمشاركة القوى المحلية في القتال تحجب حجم التدخلات الخارجية بالوكالة وخطورتها. الدول الكبرى لها مصالحها والاستراتيجيات، وهي ليست هيئات إغاثة وجمعيات خيرية تقدم المال والسلاح وينتهي دورها بدحر الإرهاب.
خرائط التقسيم في الأدراج، وبعضها منشور ومعلن، كأنها تنتظر الصفقات الأخيرة وفق حقائق السلاح في الميدان. الفيدراليات مرجحة وإنشاء دول جديدة غير مستبعد، والانخراط في حروب عرقية ومذهبية قائم وقد يمتد لأزمان طويلة. وكل الدول في الإقليم بيوتها من زجاج وقابلة للتفتيت، لذا تبدو تركيا مضطربة وتخاف من أكرادها وتسعى إلى بناء خطوط دفاعها في الموصل والرقة، ولذا تبعد إيران نار الفتنة عن داخلها برميها لدى الآخرين خلف حدودها، ولذا عين مصر على اقتصادها المهترئ وقلبها على سيناء التي تواصل تمردها.
ولأن أي بلد في الإقليم لا يملك ما يضمن سلامته، فإن لعبة التفكيك عندما تنطلق لا يعرف أحد أين ولا كيف تتوقف. هكذا يكتسب الاستفتاء الكردي المتوقع الشهر المقبل للانفصال عن العراق رمزيته الافتتاحية للعبة التقسيم، التي تخيم على دول عربية عدة.
بالتوقيت، الاستفتاء يستبق انتهاء الحرب مع «داعش» لاقتناص جوائز مبكرة، والعراق في لحظة خلل توازن بين أحواله وأزماته. هناك عملية سياسية شبه عاجزة لا تسمح بتوافقات وطنية صلبة قادرة على إعادة صوغ الدولة من جديد والحفاظ على وحدتها.
أمام تلك الاستحقاقات الضاغطة على الأعصاب في العراق تبدو الخطوة التالية في الحرب مع «داعش» في تلعفر ملغمة بصدامات محتملة مع «البشمركة» الكردية.
كل شيء يجري بقوة الأمر الواقع الميداني، والاستفتاء المنتظر يضم مناطق خارج إقليم الحكم الذاتي الكردي. ليست كركوك التي يعتبرها الأكراد «قدسهم» وحدها موضوع التنازع. الاستفتاء نفسه من طرف واحد وبلا غطاء إقليمي أو دولي، بحد ذاته مشكلة كبرى. قد يتأجل لبعض الوقت إذا ما مارست واشنطن ضغوطا قوية. وقد يحدث في مواقيته من دون أن يكون له قوة الاعتراف الدولي. غير أنه في جميع الأحوال يؤسس لانفصال كردستان العراق. مثل هكذا انفصال قد ينظر إليه كأمر واقع، ذلك أن لا ولاية لبغداد على أربيل من زمان. معضلة كردستان العراق أن أي مقومات سياسية تؤسس لدولة مستقرة شبه غائبة، فالعملية السياسية معطلة، واحتمالات الصراع الداخلي ماثلة، والأجواء في الإقليم سلبية ماعدا إسرائيل.
لعبة التقسيم إذا ما بدأت فلن تتوقف. وبقواعد ألعاب الدومينو فإن أحجارا أخرى سوف تسقط. الاستفتاء الكردي خيط أول يجر ما بعده. ومن المؤكد أن يتخذ أكراد سوريا المسار نفسه، بعد وقت قد لا يطول. واللعبة كلها مشروع اضطرابات تأخذ من الإقليم تطلعه لالتقاط الأنفاس بعد انتهاء هذه الحرب. بقدر تقاطعات المصالح تأخذ التفاهمات براغماتيتها.
إذا ما قسم العراق، اتخذت سوريا المنحى عينه. وحال ليبيا واليمن ودول عربية أخرى ليس بأفضل. التقسيم ليس قدرا بقدر ماهو نتاج لتفاعلات مُرة مزمنة ومعقدة وسياسات فاشلة. هذه صورة قاتمة لكنها محتملة. في هذا السيناريو سوف ينشأ نظام إقليمي جديد على أطلال التفتت، وعندها فإننا أمام عالم عربي جديد، هو الحلقة الأضعف في الإقليم.
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية