كتاب وأراء

درس في التواضع

يعد الاديب السوري حنا مينا من اكبر واهم الادباء في عالم الرواية ومع ذلك كان يعتقد انه متوسط الموهبة،وكانت صراحته وصدقه مضرب الامثال،سألوه ذات مرة عن شعوره بعد انتهائه من عمل أدبي فأجاب بصراحة شديدة نفتقدها بشدة: بعد ان افرغ من كتابة رواية ما.لا اصفق طربا ولا ابتهج في كثير أو قليل.الأصح أنني أكون تعيسا.لان ما أردت رسمه بالكلمات لم انجح فيه بالقدر المنشود.ومهما استقبل النقاد الرواية بعد نشرها بحفاوة أظل على مسافة منها....مسافة كافية لإفساد الحميمية المطلوبة.ومن هنا فانا لا أحب رواياتي ولا قصصي.ولا اكترث بها بعد كتابتها.وقد سبق وسئلت كيف تتعامل مع روايتك بعد الفراغ منها فقلت: كالمرأة المطلقة.إنني غير مغرم بأعمالي.ولا أستطيع أن اعتبرها كأولادي.وحتى أولادي لست مغرما بهم إلى الحد الذي يحجب عني ما فيهم من نواقص.وأعجب من الأدباء الذين اذا سئلوا عن العمل المقرب لنفوسهم أجابوا الكتب كالأولاد.ونحن نحب كل كتبنا لأننا نحب جميع أولادنا....لو كانت هذه القاعدة صحيحة لكانت أبوتي ناقصة أدبيا وبشريا.ففي الواقع أعاني من عدم قدرة على حب رواياتي ومن عدم استجابة إلى حب أولادي فقط لأنهم أولادي.لقد تعلمت من الحياة ان أميز بين الأشياء حتى أقربها الي. والصقها بذاتي.وتعلمت ان أحب أشياء غيري كما أحب أشيائي.وكتب غيري كما أحب كتبي.وأولاد الآخرين كما أحب أولادي.واشعر ان علي أن أعمق هذه النزعة.ففي كتب الآخرين صفات تفوق ما في كتبي.وفي أولاد الغير ميزات لا توجد في أولادي.وأنا من القائلين بالصداقات.وخاصة الفكرية منها. والتي تقوم على الشهامة والأريحية.
وحنا مينا لا يختلف عن غيره من الأدباء الذين يتبعون طقوس معينه أثناء الكتابة، وهو يقول في هذا الصدد: ان للكتابة عندي طقسها الخاص.رأسي تمتلئ بالإحداث وبالشخوص.وهذه الإحداث تعيش معي.وهؤلاء الشخوص يعذبونني. يطالبون بحقهم في الخروج إلى النور.وكثيرا ما أسد أذني عن نداءاتهم.وكثيرا ما يضغط الحدث على نفسي.لكنني أتجاهله.وأفضل ان أتجول في أية حديقة عامة.على ان احبس نفسي لمعالجته.فإذا استشعرت ذنبا داخليا.وصح عزمي على العمل.دخلت مكتبي.وأغلقت الباب.وأشعلت النور رغم سطوع الشمس في الخارج.وعطرت كفي ووجهي.وتمشيت في الغرفة ذهابا وإيابا.واستسلمت للرهبة.وأكثرت من التدخين وشرب القهوة.وانقطعت عن كل ما هو خارج المكتب.وعشت في العالم الذي ارسمه.تعيسا معذبا.قلقا من الإخفاق.راغبا في كل لحظة أن افتح الباب واهرب.حتى اذا بلغت مقطعا طيب.جذبني بسحره.توقفت كي ابدأ في المرة القادمة من نقطة تستهويني.وهذه العملية الشاقة دعتني إلى تسمية الأدب بالمهنة الحزينة.ولطالما حسدت الذين يكتبون في أي وقت أرادوا.وفي أي مكان وجدوا فيه.على رصيف أو مقهى أو في زاوية اية غرفة.إنهم سعداء ونظاميين ومحظوظون.يشرعون في العمل بغير توتر.ويعكفون على الكتابة في وقت معين.وينتهون في وقت معين.وتسيل خواطرهم ما ان يمسكوا بالقلم.وينجزون في جلسة واحدة ما احتاج الى انجازه في خلوات عديدة.أنني أرد ذلك إلى الذكاء والامتلاء والخصب والموهبة التي حرمت منها.والتي يعذبني فقدانها.ويدفع بي للندم لأنني هويت الكتابة.ولا اقدر ان اقلع عنها.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري