كتاب وأراء

عمدة لندن والأسئلة المشروعة

بعد معركة انتخابية شرسة، وصفه خصمه من حزب المحافظين غولدمان سميث بأنه متطرف أو قريب للمتطرفين المسلمين، نجح ممثل حزب العمال وابن السائق المسلم الذي تربى في جنوب لندن من الفوز في منصب عمدة مدينة لندن. على صعيد المشهد السياسي البريطاني الداخلي، فوز صديق خان كسر سيطرة المحافظين على منصب عمدة لندن والذين استمر لفترتين متتاليتين، كما أنه أعطى لرئيس حزب العمال جيرمي كوربن دفعة قوية امام خصومه الذين يَرَوْن انه ليس القائد المناسب لتولي زعامة حزب العمال.

كل هذا يأتي في إطار حمى الاستعداد للانتخابات البرلمانية والتي يطمح حزب العمل أن يعود فيها للحكومة بعد سنوات عجاف في المعارضة.

فوز صديق خان يثير ردود فعل واسعة على مستوى المجتمع البريطاني والاوروبي والعالم ككل، في بريطانيا ثمة محاولة للاحتفال بفوزه في سياق إظهار تميز بريطانيا عن غيرها من المجتمعات الغربية بقدر من التسامح متقدم، وأن هذا التسامح الموروث يجعل التعدد العرقي والديني مكسبا للحياة السياسية البريطانية وعاملاً على تحقيق مزبد من الثقة في المجتمع والقانون.

غير بعيد عن هذا يبدو تأثير خلفية صديق خان الاجتماعية واجتهاده السياسي حاضرًا في النقاش وأن المجتمع البريطاني يسير نحو تجاوز السياسيين الذين ينتمون إلى عائلات أرستقراطية، وان أبناء الطبقة المتوسطة المجتهدين يمكن ان يكونوا رقماً صعباً في مستقبل صناعة النخبة السياسية البريطانية.

وفي سياق الحديث عن الإدماج يأتي الحديث عن المواطنة والتي تبدو رافداً اساسياً من روافد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، إن الدول الأوروبية التي تعاطت مع فكرة المواطنة والمساواة ولم تقبل بالضغوطات عليها للانسحاب من مربع احترام القانون والمساواة ستحصد قدراً كبيراً من المصداقية والشرعية في عيون مواطنيها، الأمر الذي سينعكس في الأمان الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، مثل هذا التعاطي يمكن أن يفعله أي مجتمع ويجني الكثير من النتائج الإيجابية.

فوز صديق يعيد للمشهد السياسي الأوروبي وغيره فكرة إدماج غير السكان الأصليين والانعكاسات الإيجابية الكبيرة التي يمكن ان يحصدها المجتمع مقارنة من النتائج السلبية لسياسة الإقصاء وعدم إدماج ذلك القسم من السكان الذين أصبحوا جزء من المعادلة السكانية في تلك الدول. لقد سبق تعيين وزراء أو لوردات مسلمين ودبلوماسيين في بريطانيا، كما عينت دول أوروبية وزراء، لكن فوز صديق خان والسياق الذي جاء فيه يجعله حدثاً مهماً في السياق البريطاني والاوروبي لاسيما في سياق حملة التخويف من الإسلام والمسلمين، وكذلك الضغوط الإعلامية والسياسية التي تدفع باتجاه قوي نحو شيطنتهم في عيون تلك المجتمعات التي يعيشون فيها.

إن الحديث عن فوز صديق خان بمنصب عمدة لندن لا يعني أن هناك حالة من التغني أو التوقع إلى حتى الإفراط في مديح المجتمع الذي جعله يفوز، ففي الوقت الذي ردت وسائل الاعلام داخل وخارج بريطانيا بالحديث عن فوز «المسلم» تجنبت أي حديث عن ديانة من خسر وأنها اليهودية. هذا يعكس القاعدة غير البسيطة في المجتمع والإعلام ونظرتها آلى كل ما هو مسلم، وان ما تمت زراعته في وعي ذلك المجتمع عبر سنين خلت لا زال يحتل مساحات في وعيهم ووجدانه. من هنا يجب النظر إلى الحادثة في مستوى متقدم من الواقعية، وان واقع المسلمين سواء في بلدانهم أو في بلدان المهجر يحتاج إلى الإصلاح والتطوير، وفي سياق ذلك التطوير والإصلاح يأتي التركيز على الإنسان أصل حكاية التقدم ومنجزها.



بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري