كتاب وأراء

الكلمة الطيبة

يروي «تيري دوبسون» تلميذ «أوشيبا» مؤسس لعبة الاكيدو وهو من اكبر خبراء فن القتال في العالم حكاية حدثت معه حين كان يستقل القطار في اليابان فغيرت حياته فيقول:في احدى المحطات صعد رجل ثمل تفوح منه روائح كريهة،وراح يصرخ بأعلى صوته،ثم وجه لكمة إلى أول شخص ظهر أمامه،كان هذا الشخص امرأة تحمل طفلا،ومن حسن الحظ ان اللكمة لم تصب الطفل،وبينما كانت امرأة مسنة تنهض وتتأهب للهرب من هذا الثمل وجه اليها ركلة وشتمها بأقذع الشتائم،وحاول نزع قطعة من الحديد موجودة في منتصف العربة ورأيت وقتئذ يده اليمنى مضرجة بالدماء،وفي جو سيطر فيه الرعب على الجميع راحت عينا الرجل الثمل تمسحان المكان عن احد ليهجم عليه،نهضت من مكاني،وقتها كنت رجلا طوله مائه وتسعين سنتمترا ووزنه مائه كيلو غرام ويتدرب كل يوم ثماني ساعات على فن القتال ويمتلك ثقة عالية بنفسه،ولم أكن قد جربت نفسي بعد في أي قتال حقيقي،فلقد قال لي معلمي ذات يوم:يجب استخدام لعبة الايكيدو دائما كقوة سلام،ولكن يمكن استخدامها كوسيلة قتال حقيقية اذا ما اضطر الإنسان لذلك بغية حماية شخص ما،وفي داخلي كنت أتمنى لو أجرب ما تعلمته على رجل يقمع الآخرين ويظلمهم ويهجم عليهم دون وجه حق،وها قد جاءت الفرصة،وعندما رآني الرجل متجها نحوه نظر إلي وقال ناثرا البصاق من حوله: ان هذا الاجنبي يحتاج لدرس لكي يتعلم كيف يحترم اليابانيين.نظرت اليه نظرة مليئة بالاحتقار والاستهزاء به،فكرت بسحق هذا الشخص الوقح،صحيح انه ضخم الجثة ولكنه ثمل وغاضب وأما أنا فقد كنت هادئا للغاية،ولدي ثقة كبيرة بأنني مُدرب وأجيد ما تعلمته،مشى الرجل نحوي وهو يسب ويلعن ويتوعد،رمقته بنظرة استخفاف فتأهب لقتالي دون أن يدري ما الذي سيحل به،وقبل أن يهجم بعدة ثوان ناداه احدهم قائلا:هييييييييه«كان صوتا حادا وعاليا ولكنه يدل على ان صاحبه رجل مرح وواثق من نفسه.ناداه من جديد بصوت يرن كالجرس»انظر ماذا وجدت«التفتنا معا إلى مصدر الصوت ورأينا رجلا مسنا صغير البنية،ربما يكون في السبعين من عمره،يرتدي رداء نظيفا ذا اكمام فضفاضة،ولم يكن ينظر إلي مطلقا،بل إلى الرجل الثمل بعينين ضاحكتين وكأنه يريد ان يشاطره سرا.أشار اليه بيده بأن «تعال إلى هنا» توجه اليه الرجل الثمل بخطوات مترنحة ووقف امامه،ثم رمقه بنظرة متعالية قائلا«ماذا تريد مني يا مسخ يا حقير» فكرت حينها بأن أسحقه ما ان يحاول الهجوم على الرجل العجوز،ولكن لم يكن يبدو في عيني العجوز أي خوف،بل كان يضحك وهو يسأله عن المشروب الذي تناوله مناديا اياه بصديقي،رد عليه الثمل ردا وقحا،لكن العجوز استمر في مخاطبته بود وحميمية وحدثه عن زوجته وحديقة منزله وكأنه يتحدث مع أعز اصدقائه،بدأت أسارير الرجل الثمل تنفرج وهو يتابع التفاصيل التي يتحدث بها العجوز،وارتخت القبضات المتقلصة،في حين استطرد العجوز قائلا:أنا واثق من أن لديك زوجة رائعة» هز الثمل رأسه بحزن وقال:لا،ليس لدي زوجه ولا عائلة ثم كرر كلامه بصوت هادئ ورخيم ولا يتلاءم مع حالته التي كان عليها قبل قليل:ليس لدي زوجة ولا بيت ولا ثياب ولا نقود ولا عمل، وليس لدي سقف أنام تحته أنني أخجل من نفسي ثم انخرط في البكاء.دعاه العجوز للجلوس قربه وطلب منه ان يروي له كل شئ»في هذه الاثناء وصل القطار إلى المحطة التي سأنزل فيها،التفت إلى الخلف وأنا أنزل من العربة فرأيت الرجل الثمل واضعا رأسه في حضن العجوز وهو يمسح على رأسه المغطى بالقيء الجاف بيديه،وعيناه مفعمتان بالشفقة والاهتمام...حين غادر القطار المحطة جلست على أحد المقاعد رغبة مني باعادة النظر في هذه الحياة،فما حاولت النجاح فيه بواسطة عضلاتي وعظامي نجح فيه هذا الرجل العجوز بعدة جمل مفعمة بالحنان والشفقة والادراك والفهم.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري