كتاب وأراء

فدوى سليمان .. رمز حرية الشعب السوري ! طالبت بأن نجعل الفكر يقودنا إلى الخلاص

رحلت قبل أن تشهد رحيل بشار الأسد، حرمها فلاديمير بوتين وعلي خامنئي وباراك أوباما ودونالد ترامب وحسن نصرالله و«داعش» من تحقيق أمنيتها وأمنية الشعب السوري في التخلص من نظام قمعي، مستبد وبلا كرامة. تقدمت صفوف المتظاهرين في مارس 2015. كانت السيدة الحالمة التي لا تهدأ. من دمشق إلى درعا إلى الغوطتين ثم حمص. استقرت فيها تحسبا للفتنة الطائفية، قبل أن تُلاحق وتُهدد وتضطر للمغادرة إلى المنفى الباريسي.
تملك منها المرض وهي في عز شبابها وعطائها. رأت الثورة- ثورتها- تشيخ فيما الحاكم المستبد والقاتل ما زال يجلس على كرسيه في دمشق. كان صوت فدوى سليمان الفنانة (47 سنة) يصدح وسط المظاهرات السلمية: «سوريا بدها حرية» و«سلمية سلمية... ثورتنا سلمية» و«خاين خاين خاين... النظام السوري خاين».
تحولت فدوى بسرعة إلى أيقونة الثورة السورية. ولكن صوت حنجرتها لم يدم طويلا لتحل محله مرارة عبرت عنها بعد لجوئها إلى باريس في صيف 2012: «لقد تخلى كل العالم عنا، أجبروا الشعب السوري على حمل السلاح، وهذا ما يريده بشار الأسد. فانظروا أين أصبحنا». وهذا ما فعله على سبيل المثال الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في صيف 2013 عندما تراجع عن ضرب آلة حرب النظام إثر استعماله السلاح الكيماوي ضد المدنيين في الغوطة الشرقية. ثم ما ارتكبه «القيصر الروسي» ونصرالله من مجازر في حلب!
تخرّجت فدوى من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، وراحت الشابة الوسيمة وصاحبة الشخصية المميزة تتألق على مدى نحو عقدين في أعمال درامية متعددة، منها مسلسل «أمل» و«الشقيقات» و«هوى بحري» و«نساء صغيرات» و«الطويبي» و«طيبون جداً». كما كان لها ظهور في فيلم «نسيم الروح». ووقفت على خشبة المسرح وشاركت في أعمال إذاعية.
ومن أدوارها المميزة في المسرح الدرامي انتقلت فدوى عام 2011 إلى مواكبة دراما شعبها الحقيقية على أرض الواقع. فنزلت إلى الشارع. كانت من أوائل الفنانين السوريين الذين شاركوا بثورة الكرامة، فلم تغب عن مظاهراتها أو اعتصاماتها في حي برزة الدمشقي، وفي مظاهرات حمص. فتم التضييق عليها، وهُددت بالقتل، ولوحقت، لدرجة أن أخاها اتهمها من على فضائية النظام بأنها «عميلة للخارج». حتى نقابة الفنانين حاربتها. ما اضطرها إلى إخفاء ابنها، ثم مغادرة سوريا مرغمة. رفضت عسكرة الثورة، وقد افترقت عن عبدالباسط الساروت، رفيقها في تظاهرات حمص، لأنه كما أوضحت لاحقا وقع ضحية خيار حمل السلاح.
حلقت فدوى شعرها واتخذت لنفسها سلوكا وهنداما معينا، أوحت كأنها تريد «التفرغ» لمواجهة طويلة الأمد. وها هي توقعاتها تصح مع الأسف. كانت تطمح إلى تأسيس حركة سياسية تشبهها، سمتها بحسب بعض أحد الأصدقاء «سوريا كما نحب». وفي مقابلة تليفزيونية، في يونيو 2015 («أورينت»)، عبرت عن ألمها من تحول الثورة إلى «حرب أهلية مستعرة، وميليشيات إسلامية تذبح الناس.. ليست ظواهر من نسيج السوريين وليست من قيم الشعب السوري، إنه شعب مسالم يزاول الفن في عمق المأساة، يزاول فن السخرية وهو يموت مفجراً بالبراميل، أو يموت جوعاً أو برداً أو غرقاً في البحار..». وكانت تصر على أن مكانها في الثورة هو «أن أصرخ يومياً أن أوقفوا هذه الحرب أولاً، وأن نجعل الفكر يقودنا نحو الخلاص والحرية لا الحرب».
كانت سليمان ترفض أن يتم التركيز على كونها تنتمي إلى نفس طائفة الأسد (العلوية). وكانت تؤكد أنها لا تنتمي إلى أي طائفة، وأن الشعب السوري ليس طائفيا وإنما النظام هو الطائفي، كما أن «الديكتاتورية لا دين ولا طائفة لها». وكانت تعتبر أن الأسد هو من ربط طائفته به، وأن العلويين الذين يموتون من أجل النظام «إنما يموتون من أجل رجل مجنون ومهووس بالسلطة».
كانت تحمل في داخلها غضبا كامنا وتعطشا للحرية التي حرم منها السوريون على مدى أربعة عقود من الزمن. تحولها إلى «لاجئة» أحبط عزيمتها وزاد من عزلتها!
بقلم: سعد كيوان

سعد كيوان