كتاب وأراء

لترجمة وسر إنتاج المعرفة


المعرفة، الإنتاج المرتبط بسؤال الإنسان عن نفسه وما تعلق بها، وعن محيطه المؤثر به والمتأثر به، ومع استمرار السؤال تزداد الحاجة إلى إنتاج المعرفة، فهي احياناً اجابة لأسئلة لمواجهة الواقع، وهي في احيان اخرى وسيلة بناء للافراد ومعها المجتمعات والدول والحضارات.

يُطرح سؤال إنتاج المعرفة من طرف يكاد يكون واحدا في عالم اليوم، ذلك هو الطرف الذي يستشعر حالة الغياب عن المشهد الحضاري والمشاركة فيه، والمشهد الحضاري المتقدم في عيون اغلب من يسكن هذا العالم يتمثل في المجتمعات الغربية. طارحو سؤال إنتاج المعرفة متنوعون جغرافياً وثقافياً ودينياً وممتدون من اقصى شرق المعمورة حيث الصين إلى اقصى غربها حيث اميركا اللاتينية.

في سياق الاجابة على تحدي إنتاج المعرفة، يظهر منهجان لمواجهة التحدي: الاول يتعلق بتعلم لغة ذلك العالم المتقدم، وبالتالي التمكن من فهم معرفته وإنتاج معرفة بنفس اللغة. منهج ينقل الملايين إلى مربع لغة وثقافة لا تعكس بالضرورة ثقافتهم ولا هويتهم. مثل هذا المنهج متأثر بنظرية الغالب والمغلوب التي تحدّث ابن خلدون عنها، حيث يستشعر المغلوب حضارياً انه بتقليد الغالب يمكن ان يحقق قفزات ويحرق مراحل التطور الذي مر فيه ذلك الغالب ليصل إلى ما وصل اليه.

المنهج الثاني وهو غير المجرب بكفاءة حتى اللحظة وهو الالتفات إلى سر دفين من اسرار إنتاج المعرفة ثبتت كفاءته تاريخياً ووضع أمماً في الصف الاول لقرون. ذلك السر متعلق بالترجمة كناقل للمعرفة من لغة إلى أخرى، لكن أمر الترجمة لا يقف عند هذا الحد كما يتصور البعض. تتحدث التجربة التاريخية ان أمماً كاليونان والهند كانت تحرص على معرفة ما لدى كل طرف من خلال ترجمة ما لدى الآخر من معارف وآداب، وان تلك المعرفة تكدست في تلك اللغتين حتى وصلت إلى المسلمين في القرن الثالث الهجري. حينها بدأ اكبر مشروع في العالم آنذاك ممهد لإنتاج المعرفة في الحضارة العربية الإسلامية الا وهو حركة الترجمة في بيت الحكمة في بغداد. حركة الترجمة للعلوم والرياضات والفلسفة والمنطق والكثير من المعارف كانت تبدو وكأنها نقل من لغة إلى لغة وحسب، لكن اثرها الدامغ وبصمتها الغالبة ما لبثت ان دفعت العرب المسلمين إلى مصاف الأمم المنتجة للمعرفة في بغداد ودمشق والقاهرة ونيشابو والقيروان والكثير من حواضر الحضارة الإسلامية التي اصبح فيها إنتاج المعرفة باللغة العربية غزيراً. هذا الإنتاج الذي استمر لأكثر من اربعة قرون ما لبث ان غزا أوروبا عبر الاندلس لتنتقل المعرفة التي انتجها العرب بلغتهم مستفيدين وغير منكرين لدور الآخر.

كان الاوروبيون يترجمون الكتب إلى اللغة اللاتينية ليقرأ الكتاب الآلاف بل الملايين. وبذلك جعلت المعرفة تدق باب كل راغب وبلغته. تلك كانت دورة إنتاج المعرفة غير المنقطعة عن دور واسهام اللغة.

في عالم اليوم تعمد الصين والهند وإيران وتركيا إلى ترجمة نشطة من اللغات الانجليزية والفرنسية والالمانية لما ينتج لا سيما مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، لتشكل تلك الحركة النشطة في الترجمة مرحلة من إنتاج للمعرفة بلغات تلك المجتمع.

ان معرفة اللغات ثروة، وان يتعلم مجتمع لغة أخرى لهو أمر بالغ الاهمية، لكن هذا الامر قليل التأثير من حيث إنتاج المعرفة. في المقابل ترجمة كتاب من لغة اجنبية إلى اللغة العربية يجعله في متناول ملايين يمكن لثلة من هؤلاء الملايين ان يساهموا في إنتاج معرفة ما في علم ما. أخيراً ان قوة اللغة من قوة المعرفة التي تنتج بها، وكلما تراجعت المعرفة التي تنتج بلغة تراجع بريق تلك اللغة.

محجوب الزويري.

محجوب الزويري