كتاب وأراء

الذوق العام

ما من عاصمة آسيوية أو أوروبية زرتها إلا وتبرع من يأخذني طوعا أو كرها لما يسمى «شارع العرب» حتى أنني اكتسبت مناعة ضد الدهشة والنفور من كمية القذارة التي ينفرد ويتفوق فيها الشارع الذي يحمل هويتنا عن باقي الأحياء الأخرى «هنود وباكستانيين ويهود وأفارقة» ومنذ أكثر من أربعين عاما شن الكاتب الراحل والقدير «أحمد بهاء الدين» حملة منظمة ومكثفة للرقي بالذوق العام، نشرتها جريدة الأهرام تباعا يقول فيها: نريد أن تشن أجهزة الدولة، سياسية وتنفيذية وشعبية وثقافية وإعلامية، حملة من أجل الذوق العام، والحديث عن الذوق العام ليس ترفاً، إنه يحدد نوع الحياة التي لا نحبها، لأن الحياة ليست في كميتها فقط، فإقامة ألف مسكن عمل عظيم، لكن إذا كان يستهدف توفير حياة أفضل للناس، ونصف الهدف يضيع حين تتحول مناطق السكن الجديدة إلى مزابل عمومية، وأماكن قبيحة، وحين نقيم مرفقاً عمومياً عاماً جديداً، لا يلبث بعد شهور أن يبدو كأنه قديم متآكل، عمره عشرات السنين، وهذا ضد الذوق العام، لذلك نتحدث كثيراً عن هذا المبنى وذاك، في حين أن أوروبا حافلة بمبانٍ عمرها مئات السنين، ومازالت من أهم المساكن أو الفنادق أو المؤسسات، ويتبارون للاحتفاظ بها وصيانتها. فالذوق العام هو النظافة والنظام وهو الإتقان، وهو الاقتصاد والتوفير، والإنفاق حيث يجب الإنفاق، وعدم الإنفاق حين يعد تبذيراً. وجوهر الحملة أن يدرك الأفراد أنه كما لهم حقوق، فعليهم واجبات، وأن الدولة ليست مكلفة بعمل كل شيء فما بالنا بأكوام الزبالة المتراكمة في الطرقات العامة وأمام البيوت والدكاكين، وإلقاء كل ما نلفظه في الطريق العام، لا تخلو مدينة مصرية أو عربية من هذا المنظر الكريه. روح فردية يهمها نظافة بيتها، لكن الملك المشاع لا يهم أحداً، ولا يؤثر فينا جميعاً، ويجب معاملة هذه المخالفات مثل السيارات بتوقيع عقوبة وغرامة فورية. ومن المفارقات الغريبة أن الكاتب الراحل شن حملة منظمة لتحويل الحدائق الخاصة لحدائق عامة ليستمتع الناس بها، واهتمت الدولة بتنفيذ اقتراحه وهدم السور الخلفي لقصر عابدين وتحول لحديقة عامة بديعة. وبعد عدة سنوات تحولت هذه الحديقة الملكية إلى مقلب قمامة ومكان لإيواء المتشردين والمجرمين، فما كان منه إلا أن علق- رحمه الله- بخيبة أمل: ليس الحل في عدم إقامة حدائق وإنما في تعليم الناس وتربية شعورهم بالذوق العام وهذه مهمة الإذاعة والتليفزيون والمدرسة والبيت وكل صاحب ضمير.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري