كتاب وأراء

عن السعادة والبلادة والذكاء

وفق جدلية البؤس والوعي لدى شوبنهار، فإنه كلما زاد الوعي والذكاء، كان الطريق للتعاسة قريباً جدا. فهل الأغبياء في نعيم؟ وهل ماقاله المتنبي: «وذو العقل، يشقى في النعيم بعقله.. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ» يمكن اعتمادهما كنظرية تم الوصول لها بعد دراسة شاملة وتأملات فكرية طويلة الأمد؟.

قبل أن نجزم بصحة افتراضهما، علينا أن نعيد قراءة الغباء في التراث الإنساني والعربي خاصة، علينا أن نعرف أنه قد تم التعامل تاريخيًا مع الغباء على أنه حالة من حالات الجنون، وكانت الغاية من هذا التعامل هي الحجر على المتسائلين باعتبارهم ممسوسين، فتقوم الكنيسة بإلقائهم في المصحات لإقصائهم عن المجتمع، كما حدث مع الفلاسفة في عصر النهضة وما قبلها؛ فالغبي هو الكائن المتسائل عن البديهيات. جحا مثلاً الذي اعتبره تراثنا العربي أمثولة الغباء ما هو في حقيقة الأمر إلا عقل متحفز لاكتشاف البديهات. البديهيات التي تشكل مأزقا فكريًا لكل من يجيد فعل التأمل. ما أؤمن به بعيدا عن شوبنهار والمتنبي وجحا هو أن المجتمع وأنظمته السياسية هي من تملك حق إطلاق هذا المصطلح على من يستحق. إن كان ضدها أو يشاغب بديهياتها فإنه وبجدارة يستحق أن يقال له: (يا غبي). إن كان مصاحبا وصديقا وفيا لرغباتها وغاياتها فإنه: (ذكي، حصيف، ذو مبادئ) تماما كما كان يحدث أوقات السلطة الكنسية. فغاليلو اتهم بالجنون والغباء، ماركس صاحب نظرية رأس المال حوصر اقتصاديا، فرويد كانت الجامعات في النمسا تسخر منه وتؤلف عليه أشنع النكت، كذلك أينشتاين. لكنهم جميعا كانوا مؤمنين بذكائهم وبأن هذه الألقاب لن تكون حاجزا يقف أمامهم ويعيقهم عن اكتشاف ما يبحثون عنه لخدمة للبشرية. لم يكن هؤلاء تعساء وفق رأي المتنبي وشوبنهار، كانوا فقط يطمحون لو أن المجتمع يتركهم وشأنهم؛ فالوعي في محيط الجهل هو البؤس الحقيقي. أما الوعي بحد ذاته فهو منظومة التفكير التي تخرج صاحبها من الأزمات؛ فالإنسان البدائي بفطرته المتسائلة اكتشف النار كحل لمشكلة طهي الطعام والتدفئة لهذا لم ينقرض وعمّر الأرض وساد الكائنات. الغبي لا يمكنه التأقلم مع الظروف الصعبة، لأنه لا يوجد الحلول المناسبة، أو كما يُقال «يغرق بشبر ماء». إذن ما هي السعادة التي يشعر بها الأغبياء؟ هل يقصدون البلادة وغياب حسّ النقد وملكة الاحتجاج؟ نعم هذا هو الذي يقصده شوبنهار والمتنبي. إنها الهناء الحقيقي. يقول القصيمي: «أقسى العذاب أن توهب عقلًا محتجًا في مجتمع غير محتج». إذن البؤس ليس مرتبطًا بالذكاء إنما متعلق بما يواجهه الأذكياء في مجتمع متخلف أو جاهل. أما الذكاء بحد ذاته فيمكنه أن يكون سببًا كافيًا للسعادة. لأنه منبع رئيسي للتأقلم وابتكار الحلول. كل ما حولنا من ابتكارات يسرت لنا الحياة وبعثت فيها السعادة. جعلتنا نؤمن بأننا نستطيع القفز على مصاعبنا في مضمار حياتنا الطويل مهما اتهمنا الآخر بالغباء ومهما كنا نرغب أن نصاب بأسرع وقت بالبلادة.

بقلم : كوثر الأربش

كوثر الأربش