كتاب وأراء

النظام السوري وثنائية الدم والسلطة

تحدث فوكو في كتابه «إرادة المعرفة» ملمحا إلى العلاقة الوثيقة بين الدم والسلطة فقال «ظل الدم زمنا طويلا عنصرا مهما في آليات السلطة وفي مظاهرها وطقوسها» فمثلما منح الدم الفرصة للبعض للبقاء في السلطة عبر الدم المسفوك على مذبح الوصول إلى مواقع النفوذ والقدرة فإنه قد رفع البعض الآخر إلى مرتبة الشهادة أو هم كانوا من الضحايا ممن دفعوا ثمن النزوات المريضة لصاحب السلطة وحليفه الغريب.

لقد صنع النظام السوري طيلة سنوات حكمه الطويلة مجتمعا محكوما بلغة الدم يقوم على الدعاية الدموية تحت مسميات مختلفة لتخويف المجتمع من التمرد على الطغيان إنها سلطة تنتصر للموت وسيادة بواسطة البراميل المتفجرة وألوان التعذيب فالسلطة تتكلم من خلال الدم وتستمد حضورها منه وتكتسب قوتها من حجم إراقتها له بل ولا تستمر إلا بقدر ولوغها فيه.

فالدم يكاد يتحول إلى القوة المحركة لآليات نظام يفتقر لمنطق العمل السياسي الطبيعي حيث يحل الحوار محل العنف والحبر محل الدم ليصبح الدم أداة وغاية فهو الأداة الأولى لإثبات القدرة واستمرارية الحضور من خلال البراميل المتفجرة التي تحيل الأجساد ركاما، فدم الشعب الذي يسفك لا يساوي شيئا بما أن الدم الذي يسري في عروقه لا يستحق أن يُسمى. وهو غاية من حيث إنه علامة التميز التي تمنح البعض أحقية الحكم والنفوذ والحياة فيما تحرم البقية الأخرى من كل أشكال الحضور ولا تمنحه غير الموت في ظل سلطة لا تعرف غير قانونها الخاص إنه استعادة لأحد أشهر الامتيازات القديمة المميزة للسلطة المطلقة ونعني بها حق الحياة والموت أي حق صاحب السلطة في انتزاع الحياة من عبيده ورعاياه أما إذا انتفض ضده أحد أفراد رعيته وخالف قوانينه فإنه يستطيع حينئذ أن يقوم بقتله عقابا له وهكذا فإن الصيغة المثلى لفهم النظام السوري ينبغي أن تخرج عن سياق الفلسفة السياسية المعاصرة أعني بمفاهيمها التي تتحدث عن المنظومة الحقوقية ومفهوم المواطنة والامتثال للقانون بوصفه تعبيرا عن الإرادة العامة. الشكل الأمثل لفهم هذا النظام هو إدماجه ضمن الأنساق القديمة حيث ينفرد الحاكم/الطاغية باستعمال حقه في القتل أو في الإبقاء على حياة رعاياه خارج كل سياق قانوني إنه نمط من الحكم يشكل الدم فيه رمزيته القصوى وحيث لا تكون السلطة تعبيرا عن إرادة المجتمع وإنما هي آلية اغتصاب لجزء من ثروات الرعايا وسلب ممتلكاتهم وعملهم ودمهم. السلطة في هذه الصورة الأشد بدائية وتوحشا هي حق استيلاء على الأشياء وعلى الأجساد وأخيرا على الحياة وهي تبلغ أوجها في امتياز الاستيلاء على هذه الحياة من أجل إلغائها تماما حتى وإن اقتضى الأمر الاستعانة بالغريب لتأديب الرعية المتمردة التي ترفض الانضباط والخضوع للطاغية ومن حالفه من ميليشيات إجرامية.

ثنائية الدم والسلطة هي التعبير الأقصى عن طبيعة حكم بشار الأسد في صورتها الأشد قتامة حيث لا خيار للمحكوم سوى بين أن يكون عبدا أو أن يُعرض على السيف فالحياة في ظل هذا النظام ليست حقا طبيعيا وبإمكان الرئيس/الطاغية أن يتصرف في البلاد قصفا وسحلا وتشتيتا وتشريدا وهو لا يُسأل عما يفعل ولا عن المرتزقة الذين جلبهم لتثبيت أركان حكمه وبمثل هذه القتامة لا يمكن للثورة إلا أن تكون لمحة نور من أجل الحرية وإعادة بناء الإنسان وتحريره من مفاهيم سلطوية من زمن مظلم حاول النظام تكريسها عبر ممارساته أو تسويقها عبر حديثه عن المؤامرة التي تستهدف الوطن بينما تقول الوقائع إن نظام حكمه هو من هدم سوريا ودمرها.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي