كتاب وأراء

صراع الهوية المفتعل في تونس


تتميز تونس بانسجامها العرقي والديني ولم تعرف في تاريخها الحديث صراعا يتأسس على اشتباك الهويات المختلفة، ولم يكن من الصعب بعد الثورة أن تحسم مختلف القوى السياسية والمجتمعية توجهاتها الكبرى في الاعتراف بالطبيعة العربية الإسلامية للبلاد وهو ما نص عليه الدستور التونسي في مادته الأولى بما لفظه «تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها، لا يجوز تعديل هذا الفصل».

غير أن ما يجري هذه الأيام من نقاشات حول قرار وزير الشؤون الدينية بتحفيظ القرآن الكريم في المدارس أثناء العطلة الصيفية أعاد إلى الواجهة السؤال حول طبيعة الفهم الذي تستند إليه بعض «النخب» في مقاربتها لمسالة الهوية الوطنية، فأن تعلن إحدى الجامعيات رفضها تحفيظ القرآن الكريم واعتبارها أن هذه الخطوة لن تخدم سوى انتشار ما سمته الفكر الداعشي متسائلة «ما فائدة تحفيظ القرآن للطفل؟ هل سنقاوم الفكر الداعشي بذلك؟ للأسف أنا أقول إن الطفل سيحفظ الآيات التي يوظفها الدواعش» (تصريحات نائلة السليني لإحدى القنوات التليفزيونية الخاصة بتاريخ 20/04/2016).

ويكشف هذا التوجه لدى هذه «النخب» عن مدى انفصالها عن الضمير الجمعي للشعب التونسي وعدم تمييزها بين الدين بوصفه معتقدا راسخا في ضمائر الناس وبين بعض التوجهات المغالية التي تستغل جهل الناس بحقيقة الإسلام من اجل تعبئتهم لأهداف تناقض المصالح المجتمعية.

والمعروف أن تونس قد عرفت طيلة حكم الاستبداد قبل ثورة 2011 تضييقا على كل أشكال التدين دون أن يمنع هذا أن تتحول تونس إلى إحدى أكثر الدول تصديرا للجهاديين في المنطقة وهو ما يعني أن المسألة لا تتعلق بالتعليم الديني بقدر ما ترتبط بعوامل اجتماعية كثيرة لعل أبرزها انتشار البطالة والحيف الاجتماعي وحالات الفساد، وأن محاولة ربط تحفيظ القرآن بالتطرف والغلو كما يعتقد البعض إنما هو تصور سقيم لأن الوقائع تثبت أن جل منتسبي الجماعات المتطرفة في تونس إنما هم في الواقع من إفرازات المدرسة الحديثة التي حاول الرئيس المخلوع بن علي بناءها على أسس لا دينية صرفة.

إن إثارة مشكل الهوية في الظروف الحالية لتونس التي تشهد انتقالا ديمقراطيا وتعاني مشكلات اقتصادية وتسعى نحو الإصلاح والاستقرار إنما يندرج ضمن المشاكل الوهمية التي لا تجد لها سندا في الواقع لأن المطلوب اليوم لا يتعلق بمنع حفظ القرآن أو محاصرة ظواهر التدين بقدر ما يرتبط بضرورة انجاز إصلاح حقيقي للتعليم وتطوير المناهج والتركيز على تقديم التدين الصحيح للناس فالغلو لا يجد بيئة خصبة ينتعش فيها بقدر ما يستفيد من مواقف بعض غلاة العلمنة الشاملة ذوي العقل الاستئصالي الرافضين لكل أشكال التنوير الديني. والمشهد الاجتماعي في تونس المعروفة تاريخيا باعتدالها يرفض كلا النوعين من الغلو حيث يتغذى كل منهما على مواقف الأخر ليجد لنفسه أحقية الحضور في المجال السياسي.

وإن ما يمكن التأكيد عليه قول واحد هو أن الدين والهوية ينبغي أن تظل جامعا لكل الفئات التي قد يفرقها الاختلاف السياسي والصراع الإيديولوجي وأن لا تدخل الساحة بصورة مذهبية قد تؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وليكون منطق التعايش والحوار حلا ممكنا بوصفه مسألة إجرائية لفك الاشتباك على المستوى الفكري والعقدي بين الديني والسياسي، والديمقراطية منهجا لفض التنازع حول السبيل الأمثل للوصول إلى السلطة والتداول عليها والحرية فضاء رحبا يضمن الحقوق للجميع ويمنع الاستبداد ويحفظ التنوع والتعدد.

سمير حمدي ..

سمير حمدي