كتاب وأراء

التوتر الأميركي ـــ الكوري الشمالي .. وتوازن الرعب والردع

تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأميركية على نحو غير مسبوق في تاريخ الأزمة بين البلدين والتي تعود أسبابها إلى التدخلات الأميركية في شؤون كوريا الداخلية ومحاولة النيل من استقلالها وإخضاعها لهيمنة الولايات المتحدة.
وتجسد تفاقم حدة الصراع بين واشنطن وبيونغ يانغ بإقدام الرئيس الأميركي دونالد ترامب على التهديد بمسح كوريا الشمالية، فيما الرئيس الكوري كيم جون اون هدد بقصف جزيرة غوام الأميركية في المحيط الهادي. هذه الأجواء الحربية دفعت كلا من الصين وروسيا إلى تحذير الإدارة الأميركية من خطورة اندفاع الأمور إلى نشوب الحرب في شبه الجزيرة الكورية، ودعوتها إلى احتواء الموقف وأخذ المبادرة للحد من أجواء التصعيد، فيما اعلن وزير الدفاع الأميركي ماتيس ان الحرب اذا ما اندلعت ستكون كارثية، متحدثا عن ان الجهود الدبلوماسية تحقق نتائج ايجابية.
على أن تصاعد التوتر في شبه الجزيرة الكورية على هذا النحو طرح التساؤلات حول ما إذا كان سيقود فعلا إلى اندلاع الحرب وتدحرجها إلى حرب عالمية، أم أن الأمر يندرج في سياق خطة أميركية للعب على حافة الهاوية لدفع كوريا الشمالية إلى الرضوخ للشروط الأميركية بتفكيك برنامجها النووي ونزع اسلحتها النووية، والضغط على الصين كي تمارس بدورها الضغط على بيونغ يانغ من أجل تليين موقفها والاستجابة للشروط الأميركية لحل الأزمة وتفادي اندلاع الحرب؟
أي سيناريو هو المرجح؟
إذا ما دققنا في سيناريو الحرب يبدو من الواضح من خلال التدقيق في المعطيات العسكرية أن اتخاذ إدارة ترامب قرار الذهاب إلى الحرب لإخضاع كوريا في حال استمرت في رفض الإملاءات الأميركية ليس بالأمر السهل، على الرغم من أن موازين القوى العسكرية تميل لمصلحة أميركا. والسبب هو أن بيونغ يانغ ليست ضعيفة ولا تملك القدرات العسكرية للرد على أي هجوم أميركي عليها، بل على العكس هي تملك صواريخ من مختلف الأنواع البعيدة والمتوسطة المدى والعابرة للقارات القادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية وضرب الأهداف الأميركية في المحيط الهادي وكوريا الجنوبية واليابان وإلحاق خسائر فادحة بالولايات المتحدة وحلفائها وتحويل الحرب إلى حرب استنزاف من العيار الثقيل، خصوصا وأن كوريا الشمالية قد هيأت نفسها منذ سنوات طويلة لاحتمال المواجهة العسكرية مع أميركا، وهي مستعدة وتملك الجاهزية ولا تخاف التهديدات الأميركية وتجاري واشنطن في اللعب على حافة الهاوية وصولا إلى الاستعداد للحرب.
إن معادلة توازن الرعب والردع التي فرضتها كوريا الشمالية هي التي حالت وتحول دون تجرؤ أميركا على شن الحرب على كوريا أو تنفيذ ضربات محددة تستهدف اهدافا مهمة، وذلك خوفا من رد بيونغ يانغ والنتائج الكارثية المترتبة على اندفاع الأمور نحو الحرب الواسعة. فأميركا لم تعد تتفرد في امتلاك السلاح النووي، كما كان عليه الحال في الحرب العالمية الثانية، ومكنها من اخضاع اليابان في حينه، بل أن كوريا الشمالية باتت تملك هي الأخرى السلاح النووي ولديها القدرة إلى قصف الاراضي الأميركية به بواسطة صواريخ تحمل رؤوسا نووية. هذا اضافة إلى أن حربا أميركية ضد كوريا الشمالية قد تؤدي إلى تحولها إلى حرب واسعة في عموم المنطقة التي تشهد صراعا حاميا بين اميركا الساعية إلى فرض هيمنتها عليها، والصين التي ترفض هذه الهيمنة وتقف إلى جانب كوريا الشمالية في رفض التدخل في شؤون الدول الداخلية.
ومن الواضح أن تردد أميركا في شن الحرب على كوريا إنما يعود إلى توازن الرعب والردع الذي نجحت كوريا الشمالية في ايجاده لمنع أميركا من التفكير بشن الحرب عليها، وهو ما جعل ترامب يحرص على أن يقرن تهديداته بضرب كوريا بكلمة إذا ما أقدمت على ضرب جزيرة غوام أو قصف الأراضي الأميركية، وإذا هذه مشروطة، وهذا يعني أن ترامب لا يطلق مواقف حربية غير مدروسة، في ضوء توازن الرعب والردع والنتائج الكارثية للحرب، فإن السيناريو الأرجح هو أن واشنطن تسعى من وراء رفع منسوب التصعيد والتهديد باستخدام القوة ضد كوريا الشمالية إلى محاولة دفع دول المنطقة، لاسيما الصين وروسيا، إلى ممارسة ضغوط استثنائية على بيونغ يانغ لدفعها إلى القبول بنزع سلاحها النووي وتفكيك برنامجها النووي. غير أن الرئيس كيم جون اون يرفض هذه الشروط الأميركية ويؤكد حق بلاده بامتلاك السلاح النووي لردع العدوانية الأميركية ويشترط تسوية متوازنة تضع حداً للتدخلات العسكرية الأميركية في شبه الجزيرة الكورية والتوقف عن إجراء المناورات العسكرية الأميركية الاستفزازية. وكذلك التوقف عن نشر صواريخ تاد في كوريا الجنوبية، ووضع حد للحصار الجائر المفروض منذ سنوات طويلة على كوريا الشمالية التي تريد ايضا ضمانات دولية بوقف التدخلات الأميركية في شؤونها الداخلية.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي