كتاب وأراء

كردستان العراق .. عدم الاعتراف العائق الأكبر للاستقلال

وفقا لما أعلنه مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق، من المنتظر أن يستيقظ العراقيون صباح 25 سبتمبر المقبل على حدث تاريخي مهم هو إجراء استفتاء في الإقليم على استقلاله عن العراق. ومنذ هذا الإعلان تولت ردود الأفعال بين الإصرار على إجراء الاستفتاء وبين تأجيله، بما أضاف ملفا ساخنا جديدا لأزمات العراق الملتهبة بطبيعتها على مدى السنوات الأخيرة.
ولمطلب الاستقلال من جانب أكراد العراق تاريخ طويل يمتد إلى ظروف نشأة الدولة العراقية واستقلالها ذاته، وتعرض لتطورات عديدة بين الرفض والاحتواء والاستجابة المحدودة، بل وللصراعات السياسية والدموية أحيانا حتى بين الأطراف الكردية ذاتها.
وهكذا ظلت العلاقة بين الجانبين: الإقليم والمركز، هشة للغاية طوال السنوات التي تلت سقوط نظام صدام، وخصوصا بعد أن دخلت البلاد في مرحلة خطيرة من الاقتتال الأهلي.
هشاشة العلاقة بين الإقليم والمركز من ناحية، وازدياد الثقة بالنفس بخصوص إمكانية إقامة دولة مستقلة من جانب أكراد العراق من ناحية أخرى، شجعت مسعود البرزاني رئيس الإقليم على أن يتحدث بصراحة ملخصا حال العلاقة السيئة طوال العقود الماضية، عندما قال «إن الشراكة والتعايش السلمي الذي كان يشكل الهدف الرئيسي لكردستان مع العراق في المراحل التاريخية المتعاقبة التي مر بها الجانبان لم يتحقق، لذلك سيمضي شعب كردستان في طريقه وسيقرر مصيره».
وبعيدا عن مناقشة الحجج التي يتسلح بها أكراد العراق، فإن المشكلة الرئيس التي تواجه مثل هذه الاستفتاءات لتقرير المصير بالانفصال تكمن في عدم توافر الاعتراف بهذا العمل سواء من جانب السلطة المركزية أو من جانب المجتمع الدولي.
مع أول رد فعل رفضت الحكومة المركزية في بغداد المطلب الكردي، كما أن القوى السياسية النافذة في العراق معظمها مال إلى تأجيل إجراء الاستفتاء مع أنه يعترف به من حيث المبدأ، والمعنى أنه في ظل ردود الفعل الأولى لم يتوافر غطاء سياسي عراقي لانفصال أكراد البلاد عن المركز. وأما إقليميا ودوليا فلم تتوافر أيضا الموافقة على هذه الخطوة.
السلطة المركزية رأت أن المطلب غير ممكن دستوريا في الوضع الراهن ولا يوجد توافق عام على إجرائه واعتبرته مساسا بوحدة وسيادة العراق، فضلا عما يثيره من مشكلات عديدة فيما يتعلق بتوزيع الثروة مما سيتسبب في تعميق حالة عدم الاستقرار القائم.
والدول الإقليمية المعنية لم تقبل يوما على مدى الزمن أن يكون لأكراد العراق دولتهم المستقلة، حتى لا يشجع ذلك الأكراد في الدول الأخرى على المطالبة بنفس الهدف.
الولايات المتحدة من جانبها لم تعترض على مبدأ الاستفتاء ولكنها طلبت تأجيله. ولكى تبقى الباب مفتوحا طلبت من برزاني الاستمرار في التفاوض مع الحكومة في بغداد حول الأمور السياسية.
وبدا البرزاني متفهما للموقف الأميركي عندما رد على دعوة تيلرسون وزير الخارجية الأميركي هذه بالتساؤل حول الضمانات التي من الممكن تقديمها لشعب كردستان بمقابل تأجيله للاستفتاء وكذلك ما هي البدائل التي ستحل محل تقرير المصير. لقد قبل الأكراد بالتفاوض ولكنهم رفضوا التأجيل.
وهنا من الوارد أن يتجاوب برزاني مع التوجه الأميركي بخصوص التفاوض الذي هو في نفس الوقت مريح للحكومة المركزية في بغداد، ولكنه ينتظر الثمن الذي يمكن أن يحصل عليه مقابل استمرار المفاوضات مع بغداد برعاية أميركية. والمخرج هو في حل بعض القضايا العالقة التي عكرت أجواء الشراكة القديمة ودفعت كردستان إلى رفع راية الاستقلال، ومنها وجود البشمركة الكردية على بعض الأراضي العراقية والإقرار بسيادة الأكراد على المناطق التي ساهمت البشمركة أساسا في تحريرها من «داعش»، وكذلك الوفاء من جانب الحكومة المركزية بالتزاماتها المالية تجاه الإقليم، والاتفاق على مصير كركوك بين الجانبين. وحتى لو تعطلت المفاوضات وتم الاستفتاء الذي سيعد مجرد خطوة لبناء دولة مستقلة يتم التعامل بها كورقة ضغط، فإن صعوبة توفير الاعتراف تبقى العقبة الرئيس.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد