كتاب وأراء

دونالد ترامب.. ظاهرة «جمهورية» جديدة

المفاجأت على الساحة الانتخابية الاميركية تتواصل، ويكاد لايمر يوم واحد من دون ان يحدث المرشح المثير للجدل دونالد ترامب دويا يصم الاذان ويتخطى الحدود الاميركية. انه الظاهرة السياسية الجديدة التي جعلت من هذا الاستحقاق، اغرب موسم انتخابي في الولايات المتحدة. من الذي تغير؟ اميركا تغيرت ام ان مزاج الناخب الاميركي بات مختلفا ويبحث عن المختلفين لاشباع غرائز سياسية أو اجتماعية مكبوتة في داخلهم؟

قبل اشهر لم يتوقع حتى اكثر المحلليين الاميركيين دقة من الرؤية والتحليل ان يكون ترامب اول في المتصدرين في سباق يرسم مستقبل بلادهم. لكنه اذهلهم وحطم كل توقعاتهم وجعلهم يتانون قبل ان ينطقوا باي تحليل جديد. نجاحات هذا الرجل الذي يصعب تمييز الخيط الرفيع الفاصل بين جموحه المجنون والواقعية، وضعت حزبه الجمهوري في مأزق ودفعت ببعض قادته إلى العمل على تقويض حملته أو على الاقل تخفيف زخمها. كتب الكثير عن «ظاهرة» ترامب، ونجاحه في استغلال استياء الناخب العادي من نظام الحزبين، الذي يعتقد اميركيون كثر انه اما تخلّى عنهم وإما لا يمثلهم. وهو ما جعل ترامب نفسه يطرح نفسه كمخلص آت من اليمين السياسي، كما يطرح المرشح الديمقراطي - الاشتراكي برنارد ساندرز نفسه كمخلص آت من اليسار السياسي.

ادعى جمهوريون ان ترامب «خطف» حزبهم، وشوه مواقفه وطروحاته. لكن الواقع المّر، والذي لا يريد زعماء الحزب الاعتراف به، هو ان الحزب الجمهوري ولاسيما جناحه اليميني المتشدد، هو الذي زرع بذرة «ظاهرة» ترامب. هؤلاء المحافظون الذين بزع نجمهم في عهد رونالد ريغان، حولوا شعار «الحكومة هي المشكلة»، وهو شعار يهدف إلى تقليص دور الحكومة في حياة الفرد، إلى «الحكومة هي العدو»، وحولوا معارضة رفع الضرائب إلى ما يشبه الحركة الدينية. وفي العقود الاخيرة انحرف الحزب تدريجاً في اتجاه اليمين السياسي والتشدد الثقافي والاجتماعي،وانعكس ذلك على ما سمي الحرب الثقافية التي يشنها الحزب منذ حقبة ريغان، على كل من يؤيد حق المرأة في الاجهاض، وعلى من يدعو الحكومة الفيديرالية إلى فرض قيود أشدّ صرامة على اقتناء الاسلحة النارية الفردية، وعلى زواج المثليين، وغيرها من القضايا البعيدة من المسائل الاقتصادية والامنية.

هذه السياسات والمواقف أوجدت لغة سياسية جديدة هيمنت على الحزب الجمهوري في السنوات الاخيرة واتسمت بالفظاظة والتعصب. هذا هو المناخ الذي أشاعه ترامب بتشنجاته، وعدائه للاقليات والمهاجرين، وتمسكه بمفهوم بدائي للوطنية يتقاطع مع المواقف الشوفينية. وعند اضافة الصفات الشخصية النافرة لترامب، مثل نرجسيته المفرطة، وغطرسته وغروره وسلوكه الفضائحي وضحالته الاخلاقية، ندرك اننا أمام شخصية غير متزنة، ميالة إلى المواقف المطلقة والتبسيطية وحتى الضحلة، تغضب بسهولة، وترفض التعامل بعقلانية مع المشاكل التي تواجهها اميركا في العالم.

هذه المواقف ازدادت شراسة وحدة بعد انتخاب باراك أوباما رئيساً. صحيح ان انتخاب أوباما أبرز أجمل ما في أميركا، لكنه أظهر أيضاً أسوأ ما فيها. انتخاب أوباما في 2008، والذي صدم الحزب الجمهوري وخصوصاً التيار المتعصب فيه بالصميم، تحول إلى فرصة للقوى الجمهورية اليمينية المتشددة لكي تعبر بلغة نابية عن معارضتها للرئيس الذي كانت دوماً تشكك في شرعيته وتصفه بـ»الاشتراكي» أو «المسلم».

وهكذا اصبحت العنصرية الخجولة والمختبئة تحت السطح أكثر صراحة، من خلال ظاهرة «حزب الشاي» بنبرتها التمييزية. هذه اللغة صنعت وحشا في اغرب انتخابات اميركية اسمه اليوم دونالد ترامب. ومايجري في الانتخابات من امور غريبة يعطي فكرة واضحة ومخيفة عن عالم ترامب الذي صنعه الجمهوريين بانفسهم. لكن السؤال الذي لاجواب عليه حتى الآن هو إياه: كيف يمكن وقف ترامب ومنع جعل افكاره مادة للتفكير لدى جمع كبير من الاميركيين أو عنوانا للحياة السياسية الاميركية؟

أمين قمورية

امين قمورية