كتاب وأراء

الذكرى السنوية للأزمة المالية العالمية (2)

تحدثنا في مقالة الأسبوع الماضي عن «تغيير قواعد الاحتفاظ بالرهن العقاري لدى المؤسسات المالية المقرضة» كواحد من أهم أسباب الأزمة المالية العالمية 2007-2009.. ولكن ليس هناك سبب وحيد يمكن أن نعزو إليه هذا الفشل الكبير الذي حدث في القطاع العقاري الأميركي والذي انتقل منه للقطاع المالي ثم تخطى حدود الولايات المتحدة إلى الأسواق العالمية في أوروبا وآسيا وإفريقيا وبخاصة منطقة الخليج في الشرق الأوسط.
ومن هذه الأسباب ما كتبت عنه بتاريخ الأول من أكتوبر 2008- في صحيفة محلية أميركية (MARION STAR) تحت عنوان: «الأزمة المالية: كيف وقعنا في الخطأ.. ولماذا؟»– وما أسميته بالسياسات الخاطئة للبنك الاحتياطي الفدرالي وقوانين التحرر المالي التي مررتها جماعات أصحاب المصالح الخاصة.. ذلك حيث استمر مجلس الاحتياطي الفدرالي في اتباع سياسة نقدية توسعية لفترة طويلة جدا من 2001 وحتى حدوث الأزمة في 2007.. وكجزء من هذه السياسة، خفض المجلس سعر الفائدة من حوالي 3.5 في المائة إلى 1 في المائة في غضون 18 شهراً فقط.. ولأن معدل الفائدة 1 في المائة أقل من معدل التضخم (2.4 في المائة)، فهذا يعني أنه إذا حصلت على قرض بنسبة 1 %، فإنك تدفع فعلياً معدل فائدة سلبي (1.4 %). ونتيجة لذلك، تقدم العديد من الأشخاص بطلب للحصول على قروض من البنوك وما أن حصلوا عليها حتى بدأت الأموال تتدفق في سوق الإسكان والعقارات.. هذه السوق التي اعتبرت آنذاك الأكثر نمواً والأكثر ربحيةً والأكثر ضماناً، مما خلق ما يسمى «بفقاعة سوق العقارات».. وما أدى إلى ازدياد الهواء في هذه الفقاعة، أن توسعت المصارف التجارية، فضلاً عن المصارف الاستثمارية في عملية الإقراض من الباطن.
وهكذا، فإن أي شخص تقريباً، بغض النظر عن جدارته الائتمانية وقدرته على سداد القرض، أصبح قادراً على الاقتراض لشراء منزل.. ومن ثم مزيد من الطلب على الإسكان والعقارات مما يعني ارتفاع الأسعار، وزيادة التقدير، وزيادة الأرباح، والمزيد من الاستثمارات التي تذهب إلى هذا القطاع.. ونتيجة لذلك، ضخ المزيد من الهواء في فقاعة الإسكان.. وما يثير الدهشة آنذاك هو أن كلاً من غرينسبان (رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي السابق) وبرنانكي (الرئيس في 2007 والذي كان أيضاً محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال أيام جرينسبان) لم يرفعا أصبعهما للتحذير، أو ولم يتخوفا من الانفجار المتوقع من فقاعة الإسكان والعقارات.. بل إن جيفري ساكس، الخبير الاقتصادي الشهير في جامعة هارفارد، قال في تصريحات له في 28 مارس 2008، لصحيفة بريطانية (الغارديان) إن محافظ البنك المركزي (برنانكي) قد وصف ما يحدث بأنه: «ازدهار لقطاع العقارات يعكس نظاماً حصيفاً ومالياً جيد التنظيم، وأنه ليس فقاعة خطيرة».. كما أشاد برنانكي بالتدفق الضخم لرؤوس الأموال الأجنبية في قطاع الإسكان والعقار الأميركي من خلال المصارف الأميركية كدليل على عمق وتطور الأسواق المالية الأميركية.
كما أن أحد الأسباب الرئيسية التي سببت حالة من الفوضى في سوق رأس المال الأميركي هو إلغاء قانون «ستيجل 1933» والذي كان يضمن عدم تدخل البنوك التي تتسلم ودائع في الحياة المالية عن طريق المغامرة والمقامرة (الاستثمار الغير مضمون) بودائع المواطنين. أضف إلى ذلك الفساد الذي صاحب عملية الإلغاء بإقرار أكبر قانون «للتحرر المالي» لعام 1999.. عملياً أدى إقرار ذلك القانون إلى إلغاء جميع القيود المفروضة على عمل المؤسسات المالية.. لقد أتاح الإلغاء والإقرار الذي تم في عهد بيل كلينتون بدعوى «التحرير» للمصارف التجارية التعامل في الأوراق المالية للمرة الأولى في التاريخ، مما أدى إلى عدم وضوح الرؤية وإذابة الخط الفاصل بين المصارف الاستثمارية والمصارف التجارية.
هذا ولقد سمح القانون الجديد بعمليات الاندماج والاستحواذ لخلق المزيد من الشركات الكبيرة (الاحتكارية) العملاقة.. ومن الأمثلة على ذلك الصفقة التي بلغت قيمتها 72 مليار دولار والتي ضمت مجموعة سيتي بنك ومجموعة سميث بارني تحت اسم «سيتي جروب».. ويكفى أن نعرف أن سيتي بنك دفع ما يقرب من 90 مليون دولار تكاليف رشاوى (LOBBYING) لجماعات الضغط لإلغاء القانون المقيد وإقرار قانون التحرير الذي سمح بإنشاء سيتي جروب. ومن الجدير بالذكر أنه بعد أيام قليلة فقط من الموافقة على القانون بواسطة وزير الخزانة فاجأ وزير الخزانة «روبرت روبين»، الكثيرين في الأسواق المالية من خلال قبوله وظيفة نائب رئيس في سيتي جروب الذي ساهم في إنشائه!

بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي