كتاب وأراء

مقتطفات صحفية

يؤلمني كثيراً أن الكتاب لا يحترمون الشعر العربي ولا الشعراء العرب، ويتجلى هذا في شـكلين: يأتون بالبيت دون ذكر الشاعر، أو ينسـبون البيت لشـاعر آخر، كالذي نسـب بيتاً لطرفة بن العبد إلى لبيد بن ربيعـة، أو يوردون في مقالاتهم أبياتاً شـعرية مليئة بالأخطاء النحويـة مما لا يجوز أن يـقع فـيه طالب الثانويـة، بالإضافـة إلى أنهـم كثـيراً ما يوردون البيت مكسوراً عروضياً.
قال من يعرف نفسه بأنه كاتب وباحث ومترجم، ويكتب بصورة شـبه يومية في صحيفة عربية مهاجرة مشهورة: وأنا كما قال المعري:
من سـاءه سـبب أو هاله عجَب فلي ثمانون عاماً لا أرى عجبا
ولم يبلغ الكاتب الثمانيـن، ولكنه أراد أنه لا يرى عـجباً. لفت البيت انـتباهي، وأردت أن أقـرأ القـصيدة التي منهـا هـذا البيت، وبحثـت في شـعر المعري فـلم أجـده، ثـم اسـتعـنت بالإنترنت، فوجدته مع بيت آخر يليه:
الدهـر كالـدهـر والأيـّام واحـدة
والنَّاس كالناس والدنيا لمن غلبا
ولكن لا وجود للبيتـين في «سـقـْط الزَنـْد» فهذا الديوان هـو شـعره قـبل الثمانيـن بعـقود، وقافيتهما دليل على أنهما ليسـا من «اللزوميات»: القافية الأولى جيم وباء، والأخيـرة لام وباء. ولا في «رسـالة الغـفران» و«رسـالة الصاهل والشـاحج» و«رسـالة الملائكـة» و«الفصول والغايات» ويتكرر ورود البيتـين في مواقع شـتى، وينسـبهـما الجميـع إلى أبي العلاء، أسلوب أبي العلاء فوق مستوى البيتين من حيث التقنية والبنية والأفكار، شاورت صديـقاً من الظـرفاء فـقال: «لعـل قائلهما أصيـب بالفـصـام، أو رأى في أحلامـه أنه صار المعـري، فانـتحل وادّعى. أظن أن أبا العـلاء حتى في صبـاه لا يأتي بنـظم هـزيل كهـذا، فكيف يقوله في الثمانين؟ لم نسمع بأنه «خرّف» فالبيتان مصابان بالزهايمر الشعريّ».
عـوّدنا الكتاب على الخطأ في نـقل الأبيات الشـعرية، إما بنسـبة البيـت إلى غـير قائله، أو بالأخطاء النحوية، أو بتكسير البيت عروضياً، ومرة أخطأ أحدهم في نقل آية كريمـة، أما الجديد الذي فاجأني فهو نقل مثل عربي قديم نقلاً خاطئاً.. أذكر أن المثل «الصيف ضيّعَت اللبن» ويروى «في الصيف ضيَّـعْـتِ اللبن» فـوجدت أحدهـم يقول «الشـتاء ضيعت اللبن» ولم يورده بحيث نفهم من قوله أنه يهدف إلى عقد مقارنة ساخرة.
أصل المثل أن امرأة اسمها دختنوس كانت زوجة لرجل يدعى عمرو، وكان شيخاً فانياً، فكرهتـه، وطلبت أن يطلقهـا، ثم تـزوجت فـتى جميـل الوجه، وحلت بهم سـنوات جدب، فأرسلت إلى عمرو تطلب اللبن، فقال عمرو: في الصيف ضيعتِ اللبن، فصار قوله مثلاً يُضـرب لمن يطلـب شـيئاً فـوّته عـلى نفسـه، وخص الصيف لأن طلبهـا الطلاق كان في الصيف، لكن المرأة لم تسـكت، فـضربت على كتف زوجهـا الشـاب وقالـت: هـذا ومذقه خير، تعني أن هذا الزوج الشاب مع عدم اللبن خير من عمرو، فذهب قولها مثلاً أيضاً، والمَذْق: اللبن الممزوج بالماء.
أشرت كثيراً إلى أدعياء الثقافة، ولاسيما الذين يظنون إيراد الكلمات الإنجليزية وغيرهـا دليلاً على ثـقافتهم، وهذا خطـأ قد نغـفره لصغار الكتاب والمبتدئـين، ولا يمكن أن نغـفره للكتاب المشهورين الذين يكتبون في أوسع الصحف انتشاراً، كمحلل سياسي قرأت له قبل مدة: «ثمة تزامن بين هذه الوعود الديماغوجية وشيخوخة الاستبلشمنت» حسناً، ربما صار معنى الديماغوجية مفهوماً لدى الجميع، وإن لم أكن على ثـقة من ذلك، ولم تـتكرم عـلينا مجامع اللغـة العربـية التي تكلسـت وتحجـرت ونامت نوم أهـل الكهف باشـتـقاق كلمـة أو نحتها، أو بترجـمة الكلمة بكلمة عربية مفهومة، أما «الإسـتبلشمنت» فـموضوع آخر، ولا تـذكرنا إلا بالذيـن يحشـرون الكلمات الأجنبـية في أحاديثهم وكتاباتهم، ظناً منهـم أن هـذا يعطيهم قوة في الإقناع، ويعرف الجميع أن «استبليشمنت ESTABLISHMENT» تعني مؤسسة.. فلماذا يتفاصح هذا الكاتب ويتذاكى ويدخل «أل» التعريف على كلمة إنجليزية؟
قلت كثيـراً إن العتـب على قـدر العلم والمعرفة، وإنني أعتب على الكبار أكثر مما أعـتب على الصغار، بل إنني أحمّل الكبار مسؤولية أخرى، هي أنهم قدوة للمبتدئين يقلدونهم في كل شـيء، حتى في أخطائهـم اللغـوية. ممـا تعـلمناه في المرحلـة الإعـدادية أو في نهايـة الابتدائيـة أن نقـول: أجاب «عـن» السـؤال، وردّ «عـلى» السـؤال أو الاسـتـفـسـار، فكيـف سـأعـتب بعد اليوم على كاتب مبتدئ، إذا كانت كاتبة أديبة روائية صحفية وكاتبة مقالات منذ أكثر من نصف قرن تكتب «أجاب على معظم الأسئلة».
نرفض التقعر وهو الإتيان بكلمات صعبة القراءة والفهم، وقد قال الأقدمون: «التقعر بين العامة، كاللحن بين الخاصة»، فكما لا يجوز أن تخطئ في الإعراب بين علماء اللغة والمختصين، لا يجوز أن تأتي بين العامة بكلمات يصعب فهمها وقراءتها، وقد أفرد ابن الجوزي فصلاً من كتابه الجميل «أخبار الحمقى والمغفلين» لأخبار المتقعرين. وفي زمننا هذا نرفض أن يتضمن المقال الصحفي (وهو موجّه إلى العامة) كلمات مغرقة في معجميتها، فإذا كان الكاتب يعرفها قراءة وفهماً، فإننا لا نضمن أن يعرفها القراء.
قرأت لأحدهـم مقالة قال فيها: «وقد قلب له ظهـر المجـن» وأنا واثـق من أن معـظم القـراء (حتى المتعلمين منهم) سـيجدون صعـوبة في قراءة الكلمة الأخيرة «المجن» فما بالك بفهم العبارة كلها؟ هـذا القـول بالمناسـبة مثـل عربي قديم، والمِجَـنّ هو التُرس، ويعـني المثـل: تغيـر عـليه، وسـاء رأيه فيه، ويُضرب لمن كان لصاحبه على مودّة ورعاية، ثم تغير عن عهده. قال أبوالعتاهية (وقيل إن البيت للإمام علي) وهو يحكي عن الدنيا:
فلو أني صدقت الزهد فيها
قلبت لأهـلها ظهر المجَـنّْ
وقال ابن قيّم الجوزية:
وقـلبتُـمُ ظهرَ المِجَنِّ له وأجْـ
ـلبْتُمْ عـليه بعسكرِ الشيطانِ
قد لا يكون الخطأ نحوياً أو صرفياً، ولكنه في التركيب والصياغة. كتبت إحدى الكاتبات «أن تستهل الكلام وأنت في مأمنك» والكاتبة من الأسماء التي نبغت فجأة في السنوات الخمس الأخيرة، كالسياسيين الذين لم نسمع لهم صوتاً قبل 2011 وصاروا الآن قادة يقررون مصائرنا. واضح أن الكاتبة أرادت القول «أن تستسهل» وسنلتمس لها عذراً أنها نسيت السين الثانية أثناء الكتابة، ألم يكن عليها مراجعة مقالها قبل إرساله إلى الصحيفة؟ والأفضل طبعاً أن تجعل أحداً آخر يقرؤه، فمن الصعب أن يكتشف المرء خطأه بنفسه. وقد ذكرت بعض المعاجم القديمة فعل «استسهل» الأمر بمعنى عدّه سهلاً.
وفي المقالة نفسها قالت الكاتبة وكانت تتحدث عن سوريا: «كل من يعيش في مناطق النظام هو مؤيّد له، وكل من يعيش في المناطق الأخرى هو مؤيد للثورة» وسؤالي للكاتبة: ما لزوم الضمير «هو» في الجملتين؟ جربوا حذف الضمير من الجملتين، ثم اقرؤوهما، ألم تجدوا الجملة أكثر انسياباً وأسهل قراءة؟
مرة أخرى– ولا أظنها أخيرة– ألفت الانتباه إلى ضرورة جزم الفعل الواقع في جواب الأمر والنهي والحض والطلب، وأشهر الأقوال «دعني أقول» وتتردد هذه الصيغة كثيراً في الأحاديث والكتابات، وآخرها مقالة لكاتب كبير من أفضل كتاب العمود السياسي، والصحيح طبعاً «دعني أقل».
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين