كتاب وأراء

الشرق الأوسط .. حين يقفز في وجه «ترامب»

أذكر أننى استمعت في ندوة لعدد من خبراء الشرق الأوسط في واشنطن، إلى وصف غير مألوف لنزاعات الشرق الأوسط، في مواجهة الولايات المتحدة، وأي رئيس أميركي. وحسب ما هو معروف عن طريق كثير من الساسة الأميركيين، وهم يتحدثون في ندوة أو مؤتمر، أن يبدأوا حديثهم بنوع من الدعابة، ولهذا اعتبرت هذا الوصف لنزاعات الشرق الأوسط، كأنه تعبير عن طريقتهم في السخرية.
كان الوصف الذي نطق به خبير أميركي، إن أي رئيس للولايات المتحدة يفاجأ في لحظة، وهو يتصور فيها أن الشرق الأوسط في حالة سكون، بأن الوضع في هذه المنطقة يقفز عليه ويكون قد عقره، مثل حيوان نهم، مما يجعله يتنبه إلى أن «عضة» الحيوان قد تركت في جسده أثرا لا يزول.
التحليل لهذا التعبير الذي جذب إليه الأنظار وجد من يشخصه بأنه راجع إلى أن الرئيس وهو يضع سياسته تجاه المنطقة، فهو يلقى نفسه في مفترق طريقين، يتجاذبه كل منهما ناحيته، وبقوة، أحدهما قوة الضغط اليهودي عليه، والثاني مصالح بلاده مع العرب.
ولا خلاف على أن بعضهم حسن النية، مثل كلينتون الذي تصور أن قدرته على إيجاد تسوية نهائية وتاريخية للنزاع الإسرائيلي– الفلسطيني، سيتوج عهده، بأن يفتح له صفحة في سجل الرؤساء العظام، الذين يحققون إنجازا تاريخيا، إلى أن فاجأته أزمة مونيكا لوينسكي، والتي ظهر أنها وهي الصبية اليهودية المدربة في معسكرات الموساد، أثناء إجازتها الصيفية في إسرائيل، قد جاءته مكلفة بمهمة إثارة هذه الفضيحة، وهو فعلا ما حدث، وأدى إلى شل قدراته على اتخاذ أي قرار تجاه النزاع في الشرق الأوسط.
معظم الرؤساء الآخرين، كانت ضغوط القوى اليهودية الأميركية أقوى من احتمالهم، خاصة، وأن الرئيس يظل مدينا لهم، للجهد الذي بذلوه في الدعاية والمساندة له في حملته الانتخابية التي أوصلته للرئاسة.
من ثم كانت مفاوضات السلام التي يتولى رعايتها كوسيط، تدار بمنطق إدارة عملية السلام، وليس الوصول إلى حل سلمي للنزاع، وبالتالي يطول أمد هذه الجهود دون نتيجة. ويبدأ كل رئيس عهده خاضعا لهذا الفهم، إلى أن يفاجأ مثل غيره، بالأزمة تقفز عليه دون مقدمات لتعقره، أو تعضه، حسب تعبير الخبير الأميركي.
الآن دخل عنصر مضاف إلى الحساب الذي يقيس به أي رئيس أميركي خطواته تجاه النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، وهو الإرهاب الذي تغذيه، أو تبرره للبعض، قساوة الظلم الذي يعانيه الشغب الفلسطيني، مدعوما بالتحيز الأميركي المطلق لإسرائيل. خاصة وأن الإرهاب راح يقفز هناك في عقر دارهم، في أميركا والغرب عامة، مما يستدعى حق أي عاقل إعمال الحكمة، والنظر إلى القضية بطريقة مختلفة، واضعا في الاعتبار أن أسلوب طمأنة شعوب المنطقة، وتخدير مشاعرها، بخطوات توحي وكأنها تسعى للحل، بينما هي تطيل أمد النزاع.
إن عدم حل هذه القضية، والكف عن الانحياز بلا حدود لكل ما تريده وتفعله إسرائيل، أصبح يمثل، ليس فقط مصدرا للمعاناة والظلم للشعب الفلسطيني، بل إنه يمثل في مستقبل قادم، خطرا كبيرا على الشعب الإسرائيلي ذاته، وهو ما أقرت به وعلنا منظمات يهودية أميركية مثل:- إسرائيل بوليسي فورام، وأميركيون من أجل السلام الآن، وجى ستريت، وغيرها. فضلا عن مؤلفات لكتاب أكاديميين مرموقين، يرون أن هذا السلوك التقليدي الأميركي تجاه نزاع الشرق الأوسط، ليس في صالح الولايات المتحدة على المدى الطويل، وحتى وإن قصرت نظرتها عن إدراك ذلك في الوقت الراهن.

بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري