كتاب وأراء

كراهية حتى بعد الموت

في الربع الأخير من الحياة الزوجية يمكن أن نعرف كيف كانت المحصلة في الأرباع الثلاثة الأولى منها، فهل كانت العلاقة ملئها الحب والمودة، أم أنها كانت مترعة بالمنغصات والخلافات والبقاء الاضطراري تحت سقف حياة زوجية جليدية لم تعرف الدفء ولم تبتهج بجميل الوصال، خشية من ملامة الناس، أو من شماتة خصوم.
أعرف أزواجا ارتدوا في هذا الربع الأخير من حياتهم الزوجية إلى مراهقتهم وصباهم، أنهم لا يكفون عن تبادل عبارات الإعجاب، وغمزات الإطراء، وكلمات معسولة لا تخطر إلا على بال شعراء الرومانسية، كما أعرف أيضا قصص متزوجين لا تختلف فيها الزوجة عن زوجة المبدع الروسي الرائع تولستوي، التي كانت لا تتردد في قرع رأس زوجها الأصلع بـ«طنجرة» إن أغضبها أو انتقدها، حتى أن رأس تولستوي كانت مليئة بجروح بسبب «طنجرة» زوجته، ففي أواخر الحياة الزوجية يرفع الزوجان غير المتحابين غطاء القدر الكاتم الذي عاشا تحته لتفوح الخلافات، وأحيانا تنطلق رائحة الكراهية والمرارة.
ابتسمت في نفسي وأنا أقرأ قصة الأمير هنريك زوج ملكة الدانمارك الذي طلب مؤخرا عدم دفنه إلى جانبها، فإن كانت الملكية قد جمعتهما اضطراريا في أرستقراطية الحياة بالقصر الملكي الدانماركي، فالرجل يطلب بعلو صوته، ومن دون خوف أو لوم، بأن يدفن بعيدا عنها فلا يجمعهما قبر واحد في الموت، مثلما فرق بينهما بريق المناصب في الحياة، قائلا إنه غير سعيد لعدم الاعتراف به كند على قدم المساواة معها.
الغريب في الأمر أن مصادر رسمية دانماركية أكدت الخبر، ولم تسع إلى تكذيبه أو نفيه أو حتى تحويره لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ما يعني أن الخلاف مستحكم ومعروف وقديم بين الزوجين، وإن هذا الخلاف بدأ يتفجر براكين وزلازل عنيفة في الربع الأخير من حياة زوجية لم تصنها المناصب الرفيعة من التورط بالمجاهرة بالخلاف الذي سوف تعيش عليه الصحافة الأوروبية وقتا طويلا، قبل أن يترجل الزوجان ويغادرا الحياة، خاصة أن الأمير هنريك العام كان قد استقال العام الماضي وتخلى عن لقبه ويشارك منذ ذلك الحين في مهام رسمية محدودة. ويفضل هنريك أن يمضي معظم وقته في مزرعته الخاصة في فرنسا رغم أنه لايزال متزوجا من الملكة، ولكنهما من الناحية الرسمية يعيشان معا..
على العكس من ذلك أعرف قصص أزواج عرب طاعنين في العمر، لم يستطع أحدهما احتمال الحياة بعد رحيل الآخر، فيموت بعدها، أو تموت بعده بأيام قلائل، فلا تحلو الحياة لأي منهما في غيبة الشريك الآخر، وكأنهما تعاقدا بلا تعاقد أن يعيشا سويا، ويموتا أيضا سويا.
أعرف أن هناك من يتمتم في نفسه في ختام قراءة هذه السطور قائلا: في ماذا تتحدث يا رجل، ونحن نقرأ عن زواجات في مجتمعاتنا، تموت قبل أن تبدأ، وتذروها رياح الخلافات وهي بعمر أيام قلائل!
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي