كتاب وأراء

الإمام العادل والإمام الظالم

نسبهم وندعو عليهم بالويل والثبور على المنابر، ولكن ما في حياتنا كله من إنتاجهم، ولولاهم لفتكت بنا الأمراض، وعدنا إلى مرحلة ما قبل الزراعة، بل ربما هلكنا جوعاً. ويهرع الناس إلى بلادهم طمعاً في تعليم جيد وحياة صحيحة، وقبل هذا طمعاً بجو الحرية والديمقراطية الذي يحفظ كرامة الإنسان.
من أفضل عند الـلـه هؤلاء «الكفار» أم الذين يطبقون شعائر الإسلام دون الاهتمام بجوهره؟ تنسب إلى الإمام ابن قيم الجوزية مقولة رائعة تدل على خلاصة التعمق في أمور الحكم والسلطة «إذا خيرت بين إمام كافر عادل وإمام مسلم ظالم، فإنني أختار الإمام العادل الكافر، لأن عدله لي وكفره عليه، أما الآخر فإسلامه له وظلمه علي» وابن القيم تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وصديقه وزميله في السجن وشارحه الأفضل، ولم يكن يخرج عن فكره واجتهاداته، فهل أخذ هذه المقولة عن ابن تيمية؟
الفكرة مأخوذة من شيخ الإسلام ابن تيمية، ونقل عنه القول: «حاكم كافر عادل خير عند الـلـه من حاكم مسلم ظالم» ونقلت صياغة أخرى للنص: «طاعة حاكم كافر عادل خير عند الـلـه من طاعة حاكم مسلم ظالم».
قال: وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم.
ولهذا قيل: «الـلـه ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة».
وليس في قول الإمامين شطط، فالظلم من أشد الكبائر عند الـلـه تعالى، وجاء في الحديث القدسي فيما روى رسول الـلـه صلى الـلـه عليه وسلم «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا».
يرفع بعض المغامرين الآن راية الإسلام زوراً، وينهبون ويسفكون دماء المسلمين، ويدعي كثير من حكام المسلمين تمسكهم بشرع الـلـه، بينما تقوم حكوماتهم على ظلم العباد «إن الـلـه يأمر بالعدل والإحسان والتقوى» وقد نطرح سؤالاً يستنكره بعض الناس: أيهما أعمق إسلاماً وأحسن تطبيقاً لروح الإسلام، دولة تدعي أنها مسلمة، لكنها تظلم شعبها وتنشر الفساد في الأرض، ولا يهمها أن تردع الباطل، أم دولة غير مسلمة لكنها تطبق جوهر الإسلام، فتقيم العدل بين الناس وتحافظ على مكارم الأخلاق؟ وقد يقودنا هذا إلى سؤال أرجو أن يتفضل العلماء بالجواب: هل المهم القيام بالفرائض دون أن تغير العبادات سلوك الناس ومنهم الحكام؟ ويعيدنا هذا إلى مقولة الإمام محمد عبده الخالدة: «رأيت في أوروبا إسلاماً دون مسلمـين، وفي بلادي مسلمـين دون إســلام».
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين