كتاب وأراء

صراع الرفاق «الشيوعيين» الذي لا ينتهي !

قرأت مؤخراً افتتاحية في صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية المملوكة للدولة خصصت للحديث عن العلاقات الصينية- الفيتنامية التي عاد التوتر ليخيم عليها من بعد أن تفاءل الكثيرون بتحسنها وزيادة فرص التعاون المشترك والثقة المتبادلة بين قيادتي البلدين والحزبين الشيوعيين الحاكمين فيهما.
ولعل أحد شواهد عودة التوتر إلى علاقات البلدين هو قيام رئيس أركان الجيش الصيني بقطع زيارة كان يقوم بها لفيتنام والعودة إلى بلاده دون عقد لقاء مع نظيره الفيتنامي لبحث قضايا حدودية، علماً بأن البلدين يتنازعان السيادة على مجموعة من الجزر الصغيرة في بحر الصين الجنوبي، يقال إنها غنية بالنفط والغاز والمعادن، بل كثير ما كان البلدان قاب قوسين أو أدنى من تكرار الاشتباك العسكري بسبب حقوق الصيد ومرور السفن واحتجاز صيادين أو بسبب تركيب منصات للتنقيب عن النفط والغاز.. ونقول تكرار الاشتباك العسكري، لأن للبلدين تاريخاً حافلاً في تصادم قواتهما، حيث دارت حرب بينهما في مطلع 1979، وغزت القوات الصينية فيتنام كرد على تدخل الأخيرة في كمبوديا ضد حلفاء بكين من الخمير الحمر.. ولئن كان هذا بات شيئاً من الماضي الذي لا يريد أي من البلدين العودة إليه، إلا أن التنافس السياسي والاقتصادي والعسكري لا مفر منه بسبب جملة من العوامل.
فمن الناحية السياسية يكثر الصينيون من ترديد شعار ضرورة «حل الخلافات بالوسائل السلمية» فيما هم يستفزون جيرانهم من الدول الآسيوية الصغيرة التي لا تستطيع مواجهة جبروت التنين الصيني بفرض الأمر الواقع عبر بناء المنشآت والمنصات وإقامة البنى التحتية فوق جزر متنازع عليها بين سبع دول.. ومن جهة أخرى فإن بكين التي تطالب بحل الخلافات بالطرق السلمية هي نفسها التي ترفض التفاوض الجماعي مع الدول المعنية وتشترط التفاوض الثنائي المباشر كما لو أنها تسعى إلى سياسة «فرق تسد».
وبالمثل يستفز الصينيون جيرانهم بتخصيص الميزانيات الضخمة للتسليح وتسيير السفن وحاملات الطائرات في مياه بحر الصيني الجنوبي، وإجراء المناورات العسكرية بالقرب من المياه الإقليمية لدول الجوار، بينما يغضبون ويولولون إذا ما أقدمت أي من دول الجوار على تعزيز قوتها البحرية بشراء غواصات أو لجأت للتعاون العسكري مع قوى عالمية أو قامت بمناورات عسكرية في المياه القريبة من الصين أو نفذت خططاً للتنقيب عن النفط والغاز في تلك المياه أو غير ذلك من الخطوات التي قامت بها فيتنام بالفعل فكان نصيبها التهديد والوعيد والاتهام بالتعاون مع الأميركان للإضرار بالصين. ولموضوع حديثنا هذا شق اقتصادي.. فالصين، التي كانت رائدة في آسيا والعالم على مدى سنوات طويلة لجهة معدلات النمو الاقتصادي والتي وصلت في ذروتها إلى 10 %، تشعر بالغيرة والحسد من فيتنام التي يتوقع البنك الدولي أن يصل معدل نموها الاقتصادي خلال السنوات الثلاث القادمة إلى 7 %.. وهذا يعني أن فيتنام (بفضل خططها لجذب نحو نصف تريليون دولار خلال الفترة 2017-2020 في صورة استثمارات خارجية، ثم بفضل إنفاق نحو 5.7 % من حجم ناتجها المحلي على تطوير البنية التحتية والخدمية) سوف تتساوى في نموها الاقتصادي مع الصين إن لم تتجاوزها بقليل.. ويعتقد على نطاق واسع أن التصدي الصيني الحازم لأي خطوة من قبل فيتنام للتنقيب عن النفط والغاز في جزر بحر الصين الجنوبي الأقرب إليها هدفه الحيلولة دون حصول هانوي على مصدر دخل إضافي يعزز موقعها الاقتصادي الحالي والمستقبلي.
كما أن للموضوع شقاً استراتيجياً ذا صلة بالتنافس الهندي- الصيني. فالهند دخلت قبل فترة وجيزة على الخط باتفاقها مع فيتنام على إقامة محطة أرضية في هانوي لتتبع الأقمار الصناعية بكلفة تقديرية تصل إلى 23 مليار دولار.. وهذه المحطة سوف توفر المحطة لهانوي تكنولوجيات متطورة للاستخبارات والمراقبة وفرص الإطلاع على الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية الهندية للصين ولبحر الصين الجنوبي، من تلك التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية. ومما لا شك فيه أن لجوء هانوي للتعاون مع نيودلهي في هذا الحقل الحساس زاد من غضب بكين وحنقها على الفيتناميين.
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني