كتاب وأراء

البحث عن ثقافة التسامح كينيا .. «ديمقراطية السواطير» !


- 1 -
ترى من قال تلك المقولة ذائعة الصيت: (الديمقراطية معطف شتوي يجب ألا يُصدَّر إلى بلاد إفريقيا الساخنة).
ترديد هذه المقولة في أزمنة ثقافة حقوق الإنسان، ومُناهضة التمييز بين الدول والشعوب، قد تترتَّب عليه عقوبات أدبية وأخلاقية.
كلما اقترب ميقات إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في دولة كينيا، كانت تلك المقولة التاريخية حاضرة.
اقتران ثنائية الحرية والعنف.
الدماء وصناديق الاقتراع.
كادت دولة كينيا بشرق إفريقيا أن تعود مرة أخرى للدخول في دائرة العنف الشريرة، التي ولجت إليها قبل عشر سنوات في ظروف مُشابهة.
الانتخابات في تلك الدولة التي سُمِّيت عاصمتها نيروبي بلندن إفريقيا، ظلَّت مرتبطةً بالتوترات والاستقطابات القبلية الحادَّة، التي عادة ما تُخلِّف المئات من القتلى والآلاف من المُشرَّدين.

- 2 -

في انتخابات عام 2007 اندلعت أحداث عنف دامية، حينما استنصر المرشح ريلا أودينغا (72 عاماً) بمؤيديه ومسانديه ودعاهم لتنظيم احتجاجات في الشوارع، بعد بروز خلافات واسعة في إحصاء الأصوات.
الصراعات القبلية وقتذاك، أسفرت عن مقتل 1200 وتشريد 600 ألفٍ آخرين.
وكانت وكالات الأنباء قد أوردت في ذلك العام، أن مُعظم القتلى في كيزيمو، وهي مدينة يقطنها مليون نسمة، من قبيلة «لو» التي ينتمي إليها أودينغا، وتُطِلُّ على ساحل بُحيرة فيكتوريا.
وقبل أيام، عقب عودة التنازع حول نتائج الانتخابات الأخيرة، تكدَّست أسواق مدينة (كيزيمو) بالمشترين الذين سارعوا للتزود باحتياجاتهم الأساسية في اللحظات الأخيرة، خوفاً من تجدُّد العنف الذي اندلع قبل عشر سنوات.

- 3 -

أحداث عنف العام 2007، تسبَّبت في إعاقة أكبر اقتصاد في شرق إفريقيا، حيث توقفت التجارة الإقليمية، وألغى السائحون -أكبر مصدر للنقد الأجنبي في البلاد- عطلاتهم، وفرُّوا بجلودهم من كينيا السواطير والسكاكين.
ذكريات تلك الأحداث عادت مرَّة أخرى في هذا العام، فقبل الانتخابات الأخيرة، استدعت السلطات 150 ألفاً من قوات الأمن، لحفظ النظام في أنحاء البلاد.
ورغم تلك التدابير، لكنها لم تمنع احتدام حدة الاشتباكات وأعمال العنف الدامية بين الشرطة الكينية ومتظاهرين، بعد مقتل اثنين مؤيدَين لزعيم حزب المعارضة أودينجا.

- 4 -

مصدر انطلاق شرارة الاحتجاجات، اتهامات بتزوير الانتخابات الرئاسية على الرغم من إجرائها إلكترونياً، الأمر الذي كان يقتضي الدقة وسلامة إجراء العملية الانتخابية وقبول الأطراف بالنتائج النهائية.
زعيم المعارضة الكيني، رايلا أودينجا، ادعى في تصريحات صحفية أن متسللين اخترقوا نظم الانتخابات وقاعدة البيانات، مما أدى إلى عملية تزوير وصفها بـ «الضخمة والمُكثَّفة»، وقال إنها تُلغي ما نُشِرَ عن فوز الرئيس أوهورو كينياتا.

- 5 -

كلما ظنَّ العالم أن القارة الإفريقية تجاوزت مراحل العنف والاقتتال البدائي، إذا بها تعود مرَّة أُخرى إلى ذات المربع الأحمر القديم.
جرثومة العنف في بعض الدول الإفريقية، ستستمرُّ تفتك بالجميع حاكمين كانوا أو معارضين.
هي ذات الجرثومة التي قال الأديب السوداني العظيم الطيب صالح، إن الأوروبيين حقنوا بها شرايين التاريخ.
ثقافة نيْل الحقوق بقوة السلاح وشراسة الاحتجاج، ستُدِيمُ الأزمة في القارة الإفريقية، ولن تُنتج سوى واقع سياسي هش قابل للانكسار في كل المنعطفات.

- 6 -

خطاب الكراهية أثناء الانتخابات الكينية، يأتي عبر انتشار الشائعات والتصورات السالبة عن الآخر، وهي تصوُّرات تجمع في غالبها بين الخوف والاحتقار وسوء الظن.
الخوف من مؤامرات يحيكها الآخر، قد تكون مُتوهَّمة، واحتقاره بأنه أدنى قيمة أو أقل شأناً أو مجبول على الخبث والكيد.
قد يصعب القضاء على خطاب الكراهية مع وجود بؤر الصراع المشتعلة، واحتدام النزاعات الطائفية والقبلية والإثنية؛ لذا من الأفضل السعي لتعزيز ثقافة التسامح عبر المناهج التعليمية والفنون ومبادرات منظمات المجتمع المدني، والاستفادة من وسائط التواصل الاجتماعي في خلق مبادرات ترمم تشققات الأبنية الوطنية في إفريقيا.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال