كتاب وأراء

الذكرى السنوية للأزمة المالية العالمية

سيتم الاحتفال هذا الشهر بالذكرى السنوية العاشرة للأزمة المالية العالمية، التي بدأت في 9 أغسطس 2007، عندما أعلن البنك الوطني في باريس أن قيمة العديد من أصوله التي كان من المفترض أنها من أضمن وأصح وأفضل الأصول –لأنها تحتوي على أصول الرهن العقاري الأميركي – قد تبخرت. ومنذ ذلك اليوم المشؤوم، شهد العالم الرأسمالي المتقدم أطول فترة ركود اقتصادي منذ الكساد العظيم في 1929.
وتعددت الكتابات في أسباب هذه الأزمة وكلها تتمحور حول الأخطاء التي تم ارتكابها في الفترات السابقة عليها في إدارة الاقتصاد الأميركي. سواء كانت هذه الأخطاء ناتجة عن فساد الذمم والتدليس والسعي وراء المكسب السريع أو أخطاء تتعلق بهيكلية وفلسفة اقتصاد السوق التي لم تتواكب مع التغيرات التكنولوجية السريعة في عالم العولمة وذوبان الحدود الجغرافية. فأننا سنحاول تفصيل ذلك في سلسلة من المقالات التالية.
حين ولدت الأزمة في قطاع العقارات في أميركا كان السبب الرئيسي هو «تغيير قواعد الاحتفاظ بالرهن العقاري لدى المؤسسات المالية المقرضة». بمعنى أنه حينما حصلت أنا على قرض لشراء أول منزل لي في أميركا في بداية الثمانينيات وكان القرض لمدة ثلاثين عاما قام البنك المقرض بجمع تحريات كثيرة ودقيقة عنى وعن وضعي المالي. طلب البنك خطابات من جهة العمل (جامعة أوهايو ستات) تفيد بأنني أعمل لديهم من تاريخ كذا وأن مرتبي قبل الضرائب كذا وبعد الضرائب كذا. كما قمت بملء استمارة من حوالي 12 صفحة تتعلق بأحوالي الاجتماعية ومن أعول؟ وكم من المصاريف يحتاج المنزل؟ وما هي الديون التي أقوم بدفعها الآن أو المتوقعة في المستقبل القريب؟ وأتذكر أن البنك لم يطمئن لوضعي المالي إلا بعد ما كتب لهم عميد الكلية آنذاك رسالة يقول فيها إني رغم حداثة عملي بالجامعة إلا أن مستقبلي واعد ومنتظر بعد أربع سنوات فقط أن أحصل على ما يسمى «بالعقد الدائم» TENURE وأنه يضمن ذلك شخصيا (رحمة الله عليه).
السبب الأساسي في هذا التدقيق والتمحيص غير العادي أن البنك المقرض كان لا يسمح له بالتصرف في هذا الرهن العقاري ببيعه لبنك آخر أو مؤسسة مالية أخرى كأي سند من السندات. ومن ثم فهو (البنك المقرض) لابد وأن يضمن أن المقترض في هذه الحالة (العبد لله) لن يخل بالعقد وسيكون قادرا على السداد لفترة القرض وهي الثلاثون سنة القادمة. ولكن تغير هذا القيد بدعوى «التحرر المالي» بداية في عهد الرئيس «رونالد ريغان» وأصبح البنك غير ملزم بالاحتفاظ بالقرض طيلة هذه الفترة، فقط عشر سنوات، يستطيع بعدها أن يبيع البنك المقرض -إذا احتاج إلى سيولة أو لاحت له فرصة استثمارية مربحة -هذا الرهن العقاري المضمون بالعقار نفسه لأي بنك آخر أو شركة مالية مقابل نسبة من الفوائد التي كان سيجنيها البنك الأصلي. ولم يتوقف الأمر عند ذلك فلقد تناقصت هذه الفترة المقيدة من عشر سنوات إلى خمس إلى ثلاث إلى أن أتى الرئيس «بيل كلينتون» ليزيل ويسقط هذا القيد تماما.
بمعنى أن البنك أصبح يستطيع أن يمنح (س) أو (ص) من الناس قرضا اليوم ويقوم ببيع هذا القرض لبنك آخر أو مؤسسة مالية أخرى في اليوم التالي نظير عمولة يقوم بتحصيلها. ومن هنا أصبح لا يوجد لدى البنك المقرض أي حافز للتدقيق أو التمحيص في أن الشخص المقترض سيكون لدية القدرة على رد هذا القرض كما حدث في حالتي. بل على العكس -طالما أن البنك سيبيع القرض بمنتهى السرعة نظير عمولة- أصبح هدف البنك هو فقط أن يجد الشخص الذي يريد أن يقترض. ليس مهما الآن أن هذا الشخص سيكون لديه القدرة على رد القرض من عدمه فهو لن يراه مرة أخرى. بل أخطر من ذلك، طالما أن العمولة ستزداد مع ازدياد قيمة القرض، أصبح البنك من مصلحته أن يعطي قروضا كبيرة وضخمة حتى لو لم تكن قيمة العقار المرهون بنفس قيمة القرض. وهكذا أصبح هناك حافز قوي لدى موظفي البنوك (الذين ارتبطت عمولتهم أيضا بحجم القروض التي يعقدونها) أن يجلبوا أكبر عدد من المقترضين كماً وليس نوعاً. أصبح من غير المستغرب أن تتلقى ابنتي التي لم تتجاوز الثانية عشرة آنذاك دعوات للتقديم على قرض من البنك الفلاني بقيمة مائة ألف دولار مضمون القبول (هكذا كان يقول الإعلان). ولك أن تتصور أنه مع بدايات وضوح الرؤية واتضاح عدم مقدرة المقترض على السداد وانهيار قيمة العقارات ما حدث في هذا القطاع. سنحاول في المقالة القادمة توضيح كيفية تأثير هذا على السوق المحلية والعالمية.
بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي