كتاب وأراء

قراءة لـ«مسارات المفاوضات» ..
حين يعترف مسؤولون أميركيون بخطأ إدارتهم لعملية السلام

في أميركا شخصيات انخرطت في عملية إدارة المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، برعاية الولايات المتحدة، ودامت مهمتهم لعشرات السنين، وحين يفتح أحدهم بعد كل هذا العمر، ملف أوراقه، كاشفاً ليس فقط عما فات، بل لما هو متوقع لهذه المفاوضات من نتائج، فإن قراءة خلاصة تجربتهم تستحق التمعن، ويبقى هناك سؤال: هل جاءت شهادتهم استخلاصاً لحصاد التجربة والخطأ؟ وهل تعتبر الشهادة التي أدخلت تعديلات على مواقف سابقة لهم، اعترافاً بخطئهم، أم لأن المسار الذي قادوا فيه مفاوضات السلام، ثبت انه لم يكن في صالحهم تماماً؟
من هؤلاء الذين ذاعت شهرتهم، وارتبط اسمهم بهذه المفاوضات، التي اقتصرت على إدارة مفاوضات السلام، وليس الوصول بها إلى تسوية سلام، هو الدبلوماسي دنيس روس، الذي أمضى في هذه المهمة أربعين عاما، ممثلا لدولته، وعمل مع 6 رؤساء مبعوثا لهم في الشرق الأوسط، منذ ريغان وحتى أوباما.
وحين يفتح روس ملف أوراقه، نتوقف أمام آخر مؤلفاته بعنوان «العلاقة الأميركية الإسرائيلية منذ ترومان وحتى أوباما»، والمكون من 496 صفحة، ويقول في كتابه: على ضوء حقيقة أن الولايات المتحدة كانت لها ومازالت مصالح هائلة في أرجاء العالم العربي، ليس منها على الأقل البترول، فإن ما يخدم هذه المصالح، هو المحافظة على قدر من المسافة بين إسرائيل، والعرب، والضغط أحيانا على إسرائيل لكى يكون هناك توافق مع المطالب العربية. ويعترف روس بأن ما حدث هو عكس ذلك.
ويقول إن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، لم تكن تتأثر فقط وبدرجة كبيرة بالضغوط الانتخابية الداخلية، وبالتحديد من جانب اللوبي اليهودي والقوى المناصرة لإسرائيل. وفي بعض المناسبات التي ضغط فيها قليل من الرؤساء على إسرائيل، كانت النتيجة احتجاجات من اللوبي، ولم يحدث ما يؤدي إلى تحسين العلاقات العربية الأميركية، أو وقوف أميركا إلى جانب العالم العربي أو الإسلامي.
وعلى العكس من ذلك فإن دعم أميركا لإسرائيل لم يدفع العرب إلى التخلي عن علاقاتهم بالولايات المتحدة، لأنه لم يكن أمامهم بديل آخر.
ونحن نقرأ ما كتبه روس، يلزم ألا نغفل عن تاريخه، وهويته العقائدية، فهو من بدايته شغل مواقع داخل مراكز الفكر السياسي المناصرة لإسرائيل. وتولى مع مارتن انديل تأسيس معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى الموالى تماما لإسرائيل وفي السنوات الأخيرة أصدر أكثر من كتاب نصح فيها بإيجاد توجه جديد لأميركا في الشرق الأوسط وانتهاج سلوك واقعي تجاه النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
وكان هناك شخص آخر زامل روس في نفس مهمته، في إدارة مفاوضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وهو ديفيد أرون ميللر، فإن ميللر– وهو أيضا يهودي الديانة مثل روس– سبق أن أصدر كتابه «الأرض الموعودة: سعى أميركا المراوغ بحثا عن السلام العربي الإسرائيلي» وتوقف ميللر بدوره أمام كتاب روس، وقال إنه لم يذكر شيئا في كتابه عن الإيباك.. (قوى الضغط اليهودي في أميركا) أو عن الضغوط الداخلية على صناع سياسة أميركا الخارجية وتساءل: لماذا يغفل روس هذه الحقائق؟، وكان رد روس عليه من وجهة نظره، أن أميركا لا تتخذ سياساتها ببساطة بسبب الايباك أو المجتمع اليهودي. ولكن لأننا نحن (الخبراء من النخبة) الذين نقدم النصح والمشورة للرئيس ولوزارة الخارجية. وكنا نشعر بحساسية شديدة، تجاه أي شيء يقلق المجتمع الموالى لإسرائيل، وعندما يصل الأمر إلى بحثنا عن أفكار لا تحبها إسرائيل، عندئذ يحدث لدينا نوع من الرقابة الذاتية المشبعة أو الوقائية.
وبالطبع فإن هذا الرد من روس صحيح في جانب منه، لكن الصحيح أيضا أن اللوبي اليهودي له سطوه هائلة على الرئيس وأعضاء الكونغرس.
وأيا كان تشخيص روس لفشل سياسة أميركا طوال عشرات السنين، في إيجاد حل تفاوضي للنزاع، فإن العديد من آرائه التي طرحها في كتاباته في السنتين الماضيتين، كانت تتضمن معاني واضحة تعترف بالفشل دبلوماسيا، وضعف مصداقية أميركا في المنطقة، وانفلات زمام إدارة الأحداث من يدها، وإن كان يعترف في نفس الوقت، بغياب رد فعل عربي لكل هذا الفعل الدبلوماسي الأميركي.
بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري