كتاب وأراء

مصداقية الجزيرة .. الواقع والحُلم

المدينة الفاضلة والعالم المثالي أمرٌ كالأساطير كما يبدو لا يمكن أن تتحقق في هذه الدنيا. والأصعب من ذلك كله في زماننا ان تكون هناك قناة حرة تستطيع ان تقول كل شيء دون حسابات وارتباطات سياسية، مصداقيتها فيما تقدمه من أخبار ومواد ربما هو ما يشفع لها في عالم يعج بالفوضى والكذب، ويدين للأقوى ومن يستطيع ان يدير حروباً باردة ينتصر فيها بلا قطرة دم واحدة. أخلاقياً علينا أن نجلد أنفسنا ونحاسبها حين يختل ميزان العدالة لدينا، ومقياس الصدح بالحق لكن فقه الواقع قد يفرض علينا أن نتنازل عن مثاليتنا، وقد يجبرنا أن نكيف قليلاً من هذه المقاييس كي نحافظ على وجودنا في صراع البقاء المفروض علينا، مرٌ أن نعترف بهكذا حقيقة ومعها نبلع ألف غصة وغصة حين ندرك حتماً اننا لا نستطيع ان نصلح هذا العالم المجنون المنفلت من حولنا.
عندما بدأت الجزيرة تخرج خَبَثَ سياسات دول الحصار، وما غدت عاصفة الجرائم بعد ان صدقنا انها عاصفة الحزم هاجم الجزيرة بعض الأحرار المتضررين من سكوتها أو حجبها بعض ما كان من هذه الأمور ورفضها استضافت المعارضين البارزين لسياسات دول الحصار الشقيقة قبل الأزمة لأنها بذلك أثبتت أنها قناة مسيسة، انتقائية وغير عادلة،لا تستحق ان يقال عنها قناة الشعوب الحرة.و لهم الحق في قول ذلك ولا شك ان رأيهم يستحق كل احترام، ولنا رأي اخر اتمنى من هؤلاء الأحرار تأمله وتحمله. في وسط هذا البحر الهائل مِن الفضائيات والدول المتعددة الجنسيات والحكومات التي تتأرجح بين الاستبداد المطلق والحريّة المطلقة لا توجد قناة إعلامية واحده تسير في عالمنا على مقياس دقيق من الحيادية، والتجرد لأن الإعلام في حقيقته سلاحٌ لا صوت، ومنهج لا مبدأ. وغالباً ما يعكس اعلام أي دولة ظروفها وسياساتها الخارجية وثقافتها. لذلك نجد أنه كل مازادت المحصلة والموروث الأخلاقي والثقافي،والتنموي لدولة ما مع نظام بعيدٍ عن الاستبداد زادت مصداقية الإعلام فيها وتبعا للزيادة والنقصان في ماذكر تكون درجة المصداقية.اما الكمال فلا مجال له والجزيرة لها اخطاؤها ولها إيجابياتها، وقفت ضد أعداء الأمة المجاهرين بعداوتهم، وساندت شعوبٌ عربية مقهورة في ثوراتها، كشفت حقائق ما كان لنا أن نعرفها، وصمتت عن ما يحدث في دول شقيقة قدر الإمكان حتى لا تتهم بالفتنة ومع ذلك اتهمت، وحتى تحافظ على روابط الأخوة ومع ذلك حوصرت قطر وكان من أهم المطالَب ان تغلق الجزيرة. فإذاً ليس مِن الواقعية ان يطلب من الجزيرة ومن قطر الحيادية الكاملة وهي تعيش في محيط يحكمه الاستبداد، والظلم، في محيط يمتهن الكذب والتزوير، محيطٌ تربطها به وشائج الدم والقومية والدين والمصير الواحد الأمر الذي يفرض عليها واقعاً سياسياً معيناً ومع ذلك قدمت الجزيرة وقدمت قطر من خلالها الكثير الذي يجب أن لا يجحد وكانت الصوت الذي أقض مضاجع المستبدين، والصهاينة المحتلين حتى أغلقوا مكاتبها وحجبوها.أفلا يكون ذلك شفيعا لها؟.

بقلم : مها محمد

مها محمد