كتاب وأراء

..... ويستمر القضم الروسي المتدرج لطموحات الشعب السوري !

يوما بعد يوم، وأسبوعا بعد أسبوع تتحول الأزمة السورية من قضية شعب انتفض ضد الاستبداد ومن أجل حريته وكرامته إلى حرب دموية وعبثية مدمرة جعلت من سوريا لقمة سائغة على طاولة قمار يجلس حولها الكبار يتناتشون الحصة الكبرى. أكثر من خمس سنوات من القتل والبطش والدمار والقهر والمعاناة والتشرد، برع خلالها الجلاد ورعاته الاقليميون في ممارسة فعل الابادة. ثم تدخل «الدب الروسي» في اللحظة المناسبة (سبتمبر 2015) لانقاذ بشار الاسد، ولكي يكرس روسيا لاعبا رئيسيا يقوم بتوزيع الأدوار، مستغلا في البداية تخبط الإدارة الاميركية السابقة ثم «انكفاءها» لاحقا.
لم يدخر فلاديمير بوتين سلاحا أو جهدا لتطويع المعارضة وتقطيع أوصالها. يقصفها ثم يجرها إلى المفاوضات محاولا فرض شروطه، جنيف أولا ثم استانة. الفعلة الأفظع كانت حلب. يدمغ من يريد بالإرهابي. القضم التدريجي هو التكتيك المتبع. وراهن على الرئيس الاميركي الجديد الذي يتهمه الكونغرس بالتواطؤ مع الكرملين من اجل ضمان فوزه.
ومع دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أصبح الهدف الروسي- الاميركي المشترك إلى حد كبير تقليم أظافر المعارضة وابقاء الجلاد صالحا للاستعمال كمادة للتفاوض أو حتى اعادة الاعتبار له اذا أمكن. غير ان ما يهم ترامب من الشرق الاوسط، وتحديدا من العرب هو المشاريع والعقود التجارية والمالية. فهو لا يكره أنظمة الاستبداد وإنما تلك الدينية- الايديولوجية. باستثناء إسرائيل. وهو بالتالي غير معني برحيل بشار الأسد، ولكنه معني بتحجيم إيران الخمينية، وتركيا أيضا اذا اقتضى الأمر. رغم انها عضو أساسي في «الحلف الاطلسي» ولها قوات في شمال سوريا. وهذا هدف تسعى اليه واشنطن في العلن وتجاريها فيه موسكو في السر.
وتقوم الخطة الروسية على قاعدة «تقسيط» الحل عبر فرض ما سمي بـ«مناطق خفض التوتر» التي لا يمكن لأي طرف ان يرفضها، بما يتيح تكريس الأمر الواقع على الأرض. وبالأمس، أعلن عن التوصل إلى اتفاق بشأن إنشاء «منطقة ثالثة لخفض التوتر» تشمل ريف حمص الشمالي، الذي هو أساسا تحت سيطرة المعارضة. فقد أفضت المفاوضات بين الروس وممثلي المعارضة السورية المعتدلة برعاية القاهرة (وليس انقرة!) في 31 يوليو الماضي، إلى اتفاق لفرض «منطقة تخفيف التوتر» الثالثة التي تشمل 84 مدينة وبلدة في ريف حمص الشمالي يتجاوز تعداد سكانها 147 ألفا.
اتفاق على غرار الأول الذي أعلنه بوتين وترامب قبل شهر على هامش قمة العشرين في جنوب سوريا، والذي شمل القنيطرة ودرعا والسويداء. وتبعه ثان مماثل في 22 يوليو الماضي في الغوطة الشرقية لدمشق. وهي أيضا تحت سيطرة المعارضة. ومع ذلك تستمر الضربات الجوية واطلاق الصواريخ على هذه المنطقة المحاصرة من قبل قوات النظام منذ 2013.
وكانت واشنطن قد أوقفت برنامج دعم وتدريب الفصائل المعارضة، ولجأت حتى إلى استعادة السلاح الذي زودت به بعضها. فهي تريد ان توجه الفصائل المعارضة سلاحها باتجاه «داعش» وجبهة «النصرة» وتحيد النظام. تماما مثلما يجري الآن التحضير لمعركة تحرير دير الزور، آخر اهم معقل لـ«داعش». تسعى واشنطن لاستمالة فصيل «مغاوير الثورة» الذي يرأس قيادته رياض حجاب رئيس الحكومة السورية السابق، كي يشكل نواة لـ«مشروع وطني متكامل» ينطلق تطبيقه من دير الزور. وهو الفصيل الذي يقوم حاليا بحماية معبر التنف تلاقيه لاحقا قوات الشرطة الروسية. ما يحرم الإيرانيين من فتح طريق بري عبر الأراضي العراقية ويحول دون ربط إيران بسوريا ولبنان. وجاء الرد الاستباقي من قبل «حزب الله» الذي خاض معركة جرود عرسال اللبنانية لتحرير الخط الساحلي من دمشق إلى اللاذقية مرورا بحمص.
التفاهم الروسي الاميركي ما زال قائما حتى الساعة رغم صفعة العقوبات التي وجهها الكونغرس للرئيسين معا. لا يمكن لترامب ان يهادن أكثر وليس بوسع بوتين ان يتفرد أكثر. الهدف الأساس في هذه المرحلة وقف القتال بين المعارضة والنظام، وابقاء الاوضاع على ما هي عليه بانتظار ظروف أفضل!
بقلم:سعد كيوان

سعد كيوان