كتاب وأراء

في الشيب.. والصلع!

نصحت منذ الصبا بالبحث عن صبغة مناسبة لصبغ شعر رأسي الأشيب بالأسود، ولكنني كنت أرفض ذلك، ولم يحدث على الإطلاق أنني صبغت شعر رأسي ولو لمرة واحدة، فلم أهرب لا أنا ولا كل أشقائي وشقيقاتي من ذلك الشيب المبكر، فقد غزا الشيب مفرقي منذ زمن بعيد، ولم أتحرج مما خلقني الله عز وجل عليه، ومازلت أحترم جدا كلمات الخليفة العباسي المستنجد بالله، والتي غناها الرائع ناظم الغزالي والقائلة: عيرتني بالشيب وهو وقار / ليتها عيرت بما هو عار / إن تكن شابت الذوائب مني / فالليالي تزينها الأقمار
ومؤخرا قرأت أنه في استطلاع غريب ومثير تم بواسطة كمبيوتر رسم صورتين للشخص الواحد، إحداهما يكون صاحب الصورة بشعر، والثانية بدون شعر، أي مصاب بصلع وتصحر متسع بين جانبي الرأس، وكانت النتيجة إن جميع الأشخاص الذين رأوا صورهم بشعر وبدون شعر، بمن فيهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمير هاري.... إلخ كلهم يبدون «أفضل» أو «أفضل بكثير» برأس يكسوه الشعر، لذا فهناك قلق في أوروبا من زيادة عدد الرجال الصلع لارتباط الصلع هناك بعدم الجاذبية، بينما غالبا لا يحفل الرجل العربي بما يحفل به الرجل الأوروبي في هذا الصدد، ولهذا لا يكف الأوروبيون بالبحث عن علاج لعرضين يتعلقان بشعر رؤوس الرجال، أولهما: الصلع، رغم أن الصلع مصير طبيعي لـ «85» في المائة من الرجال بحلول سن الخمسين، وثانيهما: الشيب الوراثي المبكر، ويقال إن سبب هذا الموقف من الصلع يعزى إلى أن الشعر مازال في أذهان الناس مؤشر إلى الخصوبة والقوة والفحولة في المناطق البدائية من أدمغتنا، بحسب الدراسة.
غير أن مصائب «الرجال الصلع» عند عيادات التجميل فوائد، فالأخيرة تلقفت نتائج هذا الاستطلاع وراحت تروج أنه بمقدورها أن تقهر الصلع بأن تكسي الرؤوس الصلعاء بشعر مزروع، ولهذا كثرت في الآونة الأخيرة عمليات زرع الشعر، والغريب في الأمر أن مثل هذه العمليات صارت ضرورتها لدى بعض الرجال أكثر أولوية من أولويات أخرى ومهمة في الحياة.
أما علاج الشيب المبكر، فقد تم بصدفة على هامش محاولات الطب علاج الداء الخبيث: «السرطان»، فقد أدهش تأثير جانبي غير متوقع لدواء جديد للسرطان العلماء، بعد أن تحول شعر المرضى الرمادي إلى الأسود أثناء تناول العلاج، وبينما تعرف العلاجات السرطانية التقليدية مثل العلاج الكيميائي بتسببها في تساقط شعر المرضى، إلا أن أدوية جديدة للعلاج المناعي، تعمل بشكل مختلف ولها آثار جانبية، أظهرت قدرتها على تحويل الشعر الرمادي إلى بني أثناء اختبارها على المرضى، ما يعني أننا نقترب من زمن سوف يودع فيه الرجال ذوو الشعر الأبيض صبغات الشعر السوداء، واستبدالها بأقراص تنقذهم من الشيب المبكر وتعيدهم إلى الشباب ذات الشعر الأسود الفاحم، ألا إنه أظنني لن أتعاطى هذه الأقراص يوما، وسأظل أحترم جدا كلمات الخليفة العباسي المستنجد بالله، وغناء ناظم الغزالي.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي