كتاب وأراء

لـمـن نـنـحـني احـتـرامـاً؟

في نهاية القرن العشرين جرت استفتاءات واستبيانات رأي واستطلاعات حول الأهم في ذلك القرن، وكان بعض تلك الاسـتفتاءات طريفـاً، على الأقل حسب الذين توجه إليهم الاسـتطلاع. سـئلت النسـاء عـن أهـم الاختراعات، وأجابت الأغـلبية بأنه «الغسالة الكهـربائيـة» (اخترعها الأميركي ألفا فيشر عام 1910). والنسـاء على حـق، وإن كان اختيارهـن محصـوراً بنفعيـة «فئوية»، فعملية غسيل الثياب المضنية كانت عـبر القرون من أعـمال المرأة، ولذلـك لم تختـر النساء الموبايـل أو التليفزيون أو السـينما أو البنسـلين أو الغواصـة، بل اختـرن ما وفـَّر الراحة لملايين النساء.
ومنذ سنوات طويلة تلح عليّ هذه الفكرة: ما الأكثر إفادة ونفعاً للبشرية بين آلاف الاختراعات والابتكارات والاكتشـافات التي قدمهـا العلماء؟ وبالتالي: ما الأكثر أهـمية بين هذه الإبداعات؟ ومن الذي يسـتحق منا التـقدير والاحترام من بين العلمـاء؟ وأنطلق في هذا من حديث رسـول الله، صلى الله عـليه وسـلم،: «أحب الناس إلى الـلـه أنفـعهـم لعبـاده»، وروي الحديث: «أنـفعهـم للناس».
ألا يلفـت الانتبـاه قوله صلى الله عليه وسـلم،: «أنفـعهـم للناس»؟ ونـتذكر أن الخطاب القـرآني «أيهـا الناس» يعـني دائمـاً النـاس جميعاً، وليس محصـوراً بالمسـلمين، أو حتى بمـن آمنوا بالله ويذكرنا هذا بحديث رائع آخر نحن أبعد الناس عن تطبيقه «من غش فليس منا»، لم يقل صلى الله عليه وسلم: «من غشنا»، بل جعلها مطلقة.
ولذلك نجد عالم الفيزياء مايكل هارت الذي صنف المائة الأكثر تأثيراً في البشرية– حسب مقاييس رياضية وفيزيائية صارمة– قد وضع إسحاق نيوتن في المرتبة الثانية بعد الرسول، صلى الله عليه وسـلم، (صدر الكتاب عام 1978) ويؤكد في المقـدمة أنه لا يصـدر أحكاماً أخلاقية ولذلك وضع في قائمته أشخاصاً كان لهم نفوذ مع أنهم كانوا أشراراً وعديمي الشفقة
(وكان عليه القول: مجرمين) مثل هتلر.
لا ينسى أحد توماس إديسون، ويكـفيـه أنـه اخـترع المصبـاح الكهـربائي، ولا ألكسندر فليمنغ مكتـشـف البنسـلين، ولا كاريـه مخـترع الثلاجة، ولا وليـم رونـتغن مكتشـف أشـعة X، ولا غراهام بـِل مخترع التلفـون، ولا مخترع تكييف الهواء، ولا مخـترع أول ماكينة خياطة، ولا مبـتكر المكنسـة الكهربائيـة ومبتكر المكواة الكهربائيـة، ولا مبتـكر تجفـيف الحليـب وتعليـب الخضار، بل حتى مختـرع القـلم الجاف ومشـبك الورق والمـمحاة المطاطية، وأشياء صغيرة كثيرة، ولكن أحداً لا يذكر مكسيم مخترع المدفع الرشاش، ولا مخترع القنبلة الذرية أو مخترع القنبلة الهيدروجينية أو قنبلة النيترون، ولا مكتشف غاز السارين.
تصـوروا أن يوحنـا غوتـنبرغ لم يخترع الطباعة، وقبله بقرون لم يخترع تسـاي لون الورق، ولم يخترع ماركوني الراديو، وغيرهم كثير، كيف كانت حياتنا ستكون؟ لأمثال هؤلاء ينحني العالم احتراماً.


بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين