كتاب وأراء

الإرهاب وصعوبة التعايش مع مفهوم غامض

كان الخلاف على تعريف الإرهاب شائعاً قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، أما بعدها فأصبح أشد حدة وأكثر خطورة. الكاتب الصحفي الأميركي الشهير «توماس فريدمان» التقط الخيط بسرعة بعد تفجيرات 2001 وكتب محذراً من نشوب حرب عالمية ثالثة سببها الاختلاف حول تعريف الإرهاب. وها نحن فيها بالفعل منذ ذلك اليوم؛ فقد فُتحت جبهات عديدة حول العالم ضد الإرهاب من شرق آسيا إلى غرب أميركا اللاتينية.
الصين تخوض حرباً بذريعة مكافحة الإرهاب حتى ضد أبسط مظاهر الهوية الإسلامية كالصلاة والصيام. روسيا اعتبرت المطالب الثقافية لمسلمي القوقاز إرهاباً، إسرائيل انتهزت الفرصة واعتبرت الدفاع الشرعي للفلسطينيين ضد الاحتلال إرهاباً.
الكل يرمي الكل بالإرهاب في ظل غياب تعريف مانع جامع له..
صحيح أن هناك جهوداً تبذل لتحديد ماهية الإرهاب، إلا أنها لم تسفر حتى الآن عن التوصل إلى اتفاق حول المشروع القديم الذي بدأته الأمم المتحدة في 17 ديسمبر 1996 بهدف توقيع اتفاقية دولية بشأن الإرهاب الدولي، وإذا كانت هناك عدة بروتوكولات تم التوصل إليها بالفعل مثل بروتوكول منع التفجيرات الإرهابية في ديسمبر 1997، وبروتوكول منع تمويل الإرهاب في ديسمبر 1999، وبروتوكول منع الإرهاب النووي في أبريل 2005 إلا أن تلك المعاهدة الدولية الشاملة التي تحاول الأمم المتحدة صياغتها لاتزال بعيدة المنال. والسبب في ذلك يعود إلى الخلاف الواسع على تعريف مصطلح الإرهاب وما يندرج ولا يندرج تحته من أعمال، وهو أمر تختلف عليه الدول بحسب مصالحها وبسبب ما بينها من تناقضات وصراعات، سواء على الحدود أو الأدوار أو الرؤى وبالطبع المصالح.
وتزيد صعوبة تعريف المصطلح في منطقتنا بشكل خاص، لا سيما أنها الأكثر التصاقاً به إعلامياً.
فما أن يُذكر «الإرهاب» إلا وينصرف تفكير معظم الناس إما إلى العرب أو المسلمين. ولم يدخر أهل المنطقة للأسف الشديد جهداً في إرهاب بعضهم البعض بكلمة الإرهاب ودخلوا مؤخراً في جدل واسع حول أي شكل من أشكال التمويل والإعلام وإدارة الفضاء الإلكتروني يعد من أعمال الإرهاب أو من أعمال السيادة. وحينما يختلط مفهوم الإرهاب بمفهوم السيادة فلابد أن يتسع الفاصل بين الدول، فما تعتبره دولة عملاً إرهابياً تعتبره أخرى تصرفاً سيادياً، وهو أمر لا يقرب المسافات وإنما يباعدها أكثر.
ولا تقف المشكلة في منطقتنا عند الاختلاف على تعريف الإرهاب بالذات المالي والمسلح منه؛ لأن كليهما يمكن إثباته وتوثيقه. المشكلة تتعدى ذلك إلى تجاهل نوع آخر من الإرهاب لا يحظى باهتمام كبير، رغم أنه السبب الأهم وراء كل أشكال الإرهاب التي يجري التركيز على مكافحتها. فالإرهاب المالي والقتالي الذي تمارسه جماعات الشر المارقة يبقى هو المشكلة الصغرى، أما المشكلة الكبرى فهي «الإرهاب البنيوي» أو تلك البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المشوهة التي تركتها بعض الدول مهملة لتخرج منها كل جماعات العنف والجريمة والتطرف.
تلك هي المشكلة الأهم، لابد من الاعتراف بالإرهاب البنيوي والإقرار بوجود مظالم واسعة لم تعالج وغياب كبير للعدالة وتفاوت هائل في توزيع الثروة وإغلاق لكافة منافذ التعبير وتفشٍ لثقافة تسمح بإهانة الكرامة. إنها بنية لا تهتم مثلاً بتناسب الأسعار مع الأجور ولا توفر وظائف كافية أو لائقة، بنية تسمح للفساد بأن ينتشر، تقتل الطبقة الوسطى وتزيد أعداد المهمشين وتعمق التبعية ويدعي من يكرسها أنه يخدم الإصلاح ويرعى الرعية، مع أن مثل هذه البنية لا يمكن أن تنتج سلاماً وإنما غضباً وانتقاماً وإرهاباً.
وإذا كان الاتفاق إلى الآن على تعريف الإرهاب المالي والقتالي صعباً، فالاتفاق على تعريف للإرهاب البنيوي أصعب لأنه يتعرض بجرأة لأداء كثير من الدول ويكشف ما إذا كانت سياساتها تجاه رعاياها توفر بيئة مشجعة على السلم أو تخلق بيئة تدفع إلى الغضب والانفجار، وستمضي الدول على الأرجح كما اعتادت، لن تقرب ما بينها من مسافات لكي تصل إلى تعريف متفق عليه للإرهاب وإنما ستطبق التعريف بشكل انتقائي يتفق مع مصالحها، فضلاً عن ذلك، سيستمر معظمها على الأرجح في غض الطرف عن الإرهاب البنيوي، الذي هو مصدر كل الشرور، والاكتفاء بتتبع مظاهره التي تأتي على شكل تمويل أو تحريض أو تسليح.
وليس من شك بالمرة في أن تمويل الإرهاب أو التحريض عليه وتسليح جماعاته ترقى إلى مستوى الجرائم، لكنها جرائم مشتقة من الجريمة الأم وهي التغافل عن الإرهاب البنيوي بترك مظالم الشعوب تتراكم، بل ونعت كل من ينبه إلى خطرها بأنه يحرض على الإرهاب.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات