كتاب وأراء

أيها الإنسان.. من أنت؟

«قلت للقرد عندما رأيته يرفع سمكة من الماء ويضعها على الشجرة:

- ما الذي تفعله بحق السماء؟

كان جوابه:

- «أنقذها من الغرق!!» * أنطوني دي مللو

للأسف غالبا ما ينطبق علينا ذلك، نخرج الحق من الماء ونزعم بفعلنا ذلك أننا نخاف عليه من الغرق، ونحن في حقيقتنا نقوم بما هو مخالف لكلماتنا المنافقة. نجعل من الحق «باطلا»، ومن الباطل «حقا» متى ما كان يتناسب ذلك مع رغباتنا الداخلية، مع مصالحنا المادية أو المعنوية. بشار الأسد دمر شعبا بأكمله لأنه يظن أنه يفعل الصواب وأن الآخرين محض أشرار يستحقون الموت بأسرع الطرق الممكنة. إيران تحتل الأهواز وتقمع الأفواه وتنشر الفوضى في كل المناطق المحيطة، وجعلت دجلة والفرات قنابل وأسلحة مهربة ومعتقلات سرية ثم تخرج أمام الإعلام، في الصحف، في القنوات وتقول بكل ثقة:

- نحن مع حقوق الشعوب المظلومة في البحرين وفي الخليج!. ويا إلهي كم يؤلمني رأسي حينما أسمعه يردد ذلك.

ليس ذلك على مستوى الحكومات، ليس هذا المقال موجها لإيران ولبشار فقط فلقد تعبت من تكرار بشاعاتهم، قدرتهم المخيفة على القتل ونشر الجثث حتى في الممرات العامة. أنا الآن أتساءل عن الإنسان ذاته، أريد أن يقول لي الإجابة بنفسه بدون كلمات منافقة، بدون أن يقتل الأشياء كما فعل القرد مع السمكة بزعمه أنه ينقذها. كيف لهذا الإنسان أن يقتل أخا أو قريبا أو صديقا لأجل فكرة كما فعل بعض الدواعش؟. كيف لهذا الإنسان أن يقرر بكامل أنانيته أن يحتل دولة مستقلة لها ثقافتها وتاريخها وأرضها المليئة بخطوات الأنبياء ووصاياهم الثمينة كما حدث مع فلسطين؟، كيف لرب أسرة أن يعنف زوجته، وأولاده، والعاملين لديهم في المنزل لأتفه الأسباب، بل كيف له أن يبني قراراته بهذه العنجهية بعد أن يرمي الآخرين إلى الجحيم؟.

أذكر مره أن الأديب الفرنسي فيكتور هوغو أجاب عن كل هذه التساؤلات رغم إصراري على طرحه في هذا المقال، لقد قال هوغو: «في أول يوم هبط فيه الإنسان على الأرض فكر كيف يدفن جثة بدلا من أن يزرع شجرة.. قابيل وهابيل كانا أول الشهود على هذه المعركة». لكن ورغم كل هذا التشاؤم حول الإنسان وحول حقيقتنا البشرية دون استشناء لا زلت أؤمن بأن الإنسانية هي خروجنا المريح من كل هذا الدمار، هي الشيء الوحيد الذي لا زلت أؤمن به ولن أتنازل عنه رغم كل هذا الدمار الذي يحيط بنا.



بقلم : كوثر الأربش

كوثر الأربش