كتاب وأراء

إيران بين التناقضات .. مؤشرات بأنها لاتزال قابلة للتغير

إيران هي الدولة الإقليمية الرئيسية المسلمة ذات الأغلبية الشيعية غير العربية ذات التعداد الذي يتجاوز 80 مليون نسمة التي تتشارك ودول الخليج الحدود المائية نفسها والمعابر إياها.. وإيران من خلال أزمة الحصار على قطر ازدادت اقترابا في تداخلها مع تناقضات الوضع الخليجي .. وبينما تمتلك إيران استراتيجية واضحة لا تمتلك دول مجلس التعاون في ظل الصراع الراهن والتفكك القائم استراتيجية موحدة .. إذ لا يوجد حل عسكري للخلاف مع إيران.
كما أن الاعتماد على الغرب والولايات المتحدة لحسم الخلاف مع إيران لن يؤدي سوى لاستنزاف مالي وأمني كبيرين بالإضافة إلى أن الصراع مع قطر ومحاصرتها سوف يسهم في مزيد من الضعف والتفكك في الجبهة الخليجية التي كان يعتقد أنها في مواجهة مع إيران.
النظام الإيراني الراهن ولد بعد ثورة كبرى عام 1979، وقد اكتسبت التجربة الإيرانية قوة من جراء تجربتين. الأولى الحرب العراقية الإيرانية التي شنت على الثورة من قبل العراق وبدعم خليجي، مما أدى لتوحيد الثورة وحسم الصراع الداخلي لصالح التيار الأكثر تشدداً، لكن الحرب العراقية الإيرانية بذرت بذور الخلاف وعدم الثقة بين الضفتين.. فتلك الحرب في الإطار التاريخي كانت كارثة للعراق ومهدت لبداية سقوطه.. أما الحدث الثاني الكبير الذي أفاد إيران ارتبط بالعقوبات الغربية التي ساهمت بجعل إيران أكثر استقلالية واعتماداً على الذات في المجالات الحرفية والزراعية والنفطية.. لقد نتج عن كل هذا تحويل إيران لقوة رئيسية في منطقة الخليج.
إيران ليست دولة ديمقراطية بسبب نواقص واضحة في نظامها، لكنها ليست بنفس الوقت دولة استبدادية ولا تحكم بقرار فردي مطلق، فالثورات تخلق قاعدة شعبية للأنظمة، وهذا فعلته الثورة الإيرانية، والمؤسسات التي أنشأتها إيران بعد الثورة وازنت بعضها البعض وقللت من التسرع في صنع القرار.. في إيران الحكم ليس وراثياً والصراع على السلطة قائم ضمن ضوابط، فعلى سبيل المثال يوجد صراع مفتوح على منصب رئيس الجمهورية، والصراع قائم على موقع المرشد الأعلى، كما وعلى عضوية البرلمان، والأهم أنه في إيران مدارس سياسية مختلفة، كمدرسة خاتمي ورفسنجاني الذي توفى منذ شهور، ومدرسة روحاني والإصلاحيين ومدارس المحافظين.. ومع ذلك ومن جهة أخرى، هناك تعقيدات بنيوية، في إيران، إذ يخضع أكثر من 40 في المائة من الاقتصاد للمؤسسات العسكرية والأمنية والدينية، وهذه المؤسسات تقف خارج أطر الرقابة، وهي معفاة من الضرائب.
الدولة الإيرانية تعتقد أنها مستهدفة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن القواعد في منطقة الخليج قد تتحول لضربها، لهذا وضعت تصوراً للتعامل والالتفاف وتفادي مصير كمصير العراق.. وقد تطور هذا الوضع منذ الحرب العراقية الإيرانية المنطلقة عام 1980-1988، بل لهذا السبب صعدت الاستراتيجية الإيرانية في الملف النووي، ونتج عن ذلك أنها جرت العالم لصفقة تاريخية حول الملف، وقبل ذلك صعبت الموقف الأميركي في العراق بعد 2003 وجرت الولايات المتحدة للتفاوض حول العراق، وهي أيضاً صعدت من دعمها لحزب الله وحماس والقضية الفلسطينية، مما وضعها في مواجهة غير مباشرة مع إسرائيل.
وإيران، بنفس الوقت، قوة براغماتية، ومن هنا استعدادها لعقد الصفقات في لحظات الخطر.. ليس من المتوقع أن تنتقل إيران، كما توقع البعض في الخليج بعد الاتفاق النووي، إلى صف الولايات المتحدة.. فشرعية النظام الإيراني في جانب منها مرتبطة بتحدّي الدور الأميركي في الشرق الأوسط بالإضافة لمواجهة طبيعة علاقته بالكيان الإسرائيلي.
قوة إيران الأهم مرتبطة بمجتمعها الذي قام بالثورة الخضراء والذي يتمتع بتعليم نوعي، وهو مجتمع أكثر تحرراً ويريد دولة أكثر شفافية وأقل تعبوية وأيديولوجية. إيران قد تكون مستعدة لإصلاح لكنها ليست مستعدة للثورة ولإعادة سيناريو 1979.. وعندما نراجع أفكار معظم أبناء القادة الكبار في الجمهورية الإسلامية وبناتهم، بمن فيهم أحفاد الإمام الخميني، نكتشف أن معظمهم انتقل من الثورية إلى الإصلاح.. مازالت إيران قابلة للتغير، لكن منطقة الخليج تعيش في هذه الفترة حالة تخبط تصب لصالح الاستراتيجية الإيرانية.

بقلم : د. شفيق ناظم الغبرا

د. شفيق ناظم الغبرا