كتاب وأراء

طلب العلم فريضة على كل مسلم (1-2)

ينبه الله المسلمين إلى فريضة من فرائض دينهم، وهي طلب العلم بكل الوسائل، ولذلك نزلت أول كلمة من كتاب الله بالأمر: «اقرأ»، وأمرنا أن نستزيد من العلم: «وقل رب زدني علماً» (طه- الآية 114)، وعلمنا سبحانه أن الفارق كبير بين الذين عرفوا قيمة العلم وبين غيرهم: «هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون» (الزمر- الآية 9).
ومن الأحاديث النبوية ما يدعو المسلم إلى احترام العلم والعلماء: «العلماء ورثة الأنبياء» رواه أصحاب السنن، و«من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله طريقاً من طرق الجنة»، رواه مسلم، و«طلب العلم فريضة على كل مسلم» رواه ابن ماجة. وبالعلم والتفكير العلمي حقق المسلمون إنجازات علمية هائلة خلدت أسماء في التاريخ لها الفضل على الإنسانية وعلى الحضارة الغربية مثل ابن فرناس أول من فكر وحاول الطيران، ومحمد بن موسى الخوارزمي مؤسس علم الجبر واللوغاريتمات، ومؤلفاته معروفة في كبرى جامعات العالم، وأبوبكر الرازي الذي كانت كتبه تدرس في جامعات أوروبا لعدة قرون، وابن سينا الذي كانت موسعته الطبية «القانون» هي المرجع الأساسي في الجامعات الأوروبية حتى القرن التاسع عشر، والحسن بن الهيثم الذي ترك تراثاً علمياً ضخماً في الرياضيات وعلوم الفيزياء والفلك وكان أول من أنشأ علم الضوء وتشريح العين وشرح كيفية رؤية العين للأشياء وكان لكتابه «المناظر» الفضل في تقديم علم الضوء واعتمد عليه علماء أوروبا وترجم إلى اللغة اللاتينية مع 44 كتاباً في العلوم الطبيعية والرياضية وهو الذي وضع أسماء الشبكية والقرنية والسائل الزجاجي ومهد لاستعمال العدسات وإصلاح عيوب النظر، وأبوالريحان البيرونى عالم التاريخ وصاحب علم الصيدلية وعلم الفلزات، وعمر الخيام صاحب الاكتشافات العلمية في علوم عديدة منها الرياضيات والفلك، وابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية، وابن بطوطة عالم الجغرافيا والرحالة الذي اكتشف العديد من البلاد التي كانت مجهولة، وابن خلدون مؤسس علم الاجتماع الحديث وعلم التاريخ ومناهجه العلمية، وابن ماجة صاحب المرجع في عبور المحيطات في القرن الخامس عشر.
ويعلق المستشرق الألماني، هوفمان، على ذلك بأن هذه بعض الأدلة على أن العالم الإسلامي هو الذي وضع الأساس للنهضة الأوروبية وظهور الحضارة في الغرب، كما يعلق على ذلك الباحث في تاريخ العلوم، مارشال هودجون، بقوله: إن التقدم الهائل في العلوم والمعرفة والتكنولوجيا في العالم الإسلامي أدى إلى «الغزو الثقافي» للمسلمين في الغرب لأن الغرب لم يكن لديه شيء يستحق أن يرجع إليه؛ فكان الغرب مستورداً خالصاً للعلوم والتكنولوجيا حتى القرن الرابع عشر.
وسر التقدم العلمي الذي حققه المسلمون أنهم جمعوا بين العلم والإيمان، وربطوا بين العلم والأخلاق، بينما فصل علماء الغرب بين العلم والدين والأخلاق؛ مما جعل عالماً مثل مايكل هارنغتون يتساءل: «هل في مجتمعنا التكنولوجي ميثاق أخلاقي اجتماعي ينقذنا». والملاحظ أن علماء كثيرين في الغرب بدؤوا يأخذون بفلسفة العلم كما كانت عند المسلمين، ومن هؤلاء «هانز جورج» الذي أعلن: «كلما زاد تحديث العلوم، اشتدت الحاجة إلى الدين وتبين استحالة الاستغناء عنه لتمسك المجتمع ولإضفاء الشرعية للقانون ولاستخدام القوة العادلة».
وإذا كان المسلمون قد مروا بعصر فرضت عليه القيود الاستعمارية وأدت إلى تخلف العالم الإسلامي إلا أن هذه الفترة انتهت وبدأ العالم الإسلامي يأخذ بأسباب العلم وينشئ الجامعات ويقدم العلماء مما يساعدهم في البحث والتفوق؟، وأصبحت «إسلامية المعرفة» تعني الدعوة إلى تعليم إسلامي وإصلاح للجامعات وإنشاء المعامل والمختبرات وتشجيع العلماء والباحثين، وتشهد المنتديات والمؤتمرات والمجلات العلمية على التقدم الذي يحققه علماء المسلمين وأصبح من بينهم من حصل على جائزة نوبل في العلوم ومنهم من يستحق هذه الجائزة عن جدارة... (يتبع)

بقلم : رجب البنا

رجب البنا