كتاب وأراء

التطبيع مع موسكو .. لماذا يتعثر من جانب واشنطن؟

أثار قرار الكونغرس الأميركي بتوسيع العقوبات على روسيا تساؤلات عديدة حول الأسباب الحقيقية التي دفعت الغالبية الساحقة لأعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لاتخاذ هذا الموقف، وما إذا كانت الإدارة الأميركية الحالية تدير فعلا السياسة الخارجية الأميركية، أم أنها أصبحت مقيدة بمواقف هيئات وقوى سياسية نافذة داخل الولايات المتحدة وما هو تأثير ذلك على علاقاتها الخارجية؟
اتخذ الكونغرس قراره، مع منح الكونغرس سلطات تمنع الرئيس الأميركي من تخفيف هذه العقوبات لو أراد استخدام حقه في الاعتراض على القرار (الفيتو)، بما يعني أن الكونغرس لم يعد يثق في رؤى ومواقف الرئيس ترامب على الصعيد الخارجي ويريد كبح جماح مواقفه المفاجئة والمتقلبة.
المتابعون للمشهد الأميركي الروسي انقسموا إلى فريقين في تفسير التعثر الذي أصاب جهود التطبيع بين البلدين، فهناك فريق يرجعه إلى الصراع القائم بين السلطتين التنفيذية ممثلة في البيت الأبيض والتشريعية ممثلة في الكونغرس حول صناعة السياسات الأميركية على المستويين الداخلي والخارجي، وفريق آخر يرجعه إلى حالة الارتباك والانقسام القائمة على صعيد العلاقات الدولية بوجه عام التي جعلت مواقف الدول تتوزع بين ملفات عدة، وفي هذه الحالة لا يجري الربط بين كل الملفات كما هو متوقع ومعتاد وإنما يتم التعامل مع كل ملف على حدة.
ومن الطبيعي أن تكون هناك خلافات بين الرئيس والكونجرس، فهكذا كان حال العلاقة على مدى العقود الماضية، ولكن المشكلة في حالة ترامب هي في قلق الكونغرس بصفته صاحب السلطة التشريعية من مواقف ترامب المفاجئة والمتقلبة.
وسواء كان الكونغرس على صواب أو خطأ في ذلك، فإن النتيجة هي أن هناك صراعا داخليا في الولايات المتحدة أو صراع أجنحة يشمل مكونات السلطة فيها وكانت العلاقات مع روسيا هي المناسبة المثلى لتطبيق هذا الموقف من جانب الكونجرس.
تفسير الفريق الثاني لا يقل وجاهة وأهمية، حيث يضع المشكلة في نطاق أوسع يتعلق بالتضارب القائم في المصالح الذي ضرب بنية العلاقات الدولية منذ أواخر عهد أوباما، وهو ما أدى إلى تعزيز الاتجاهات إلى الانغلاق على الداخل والقلق على المصالح الوطنية. في هذه الحالة فإن السائد هو إدارة الخلافات والصراعات بمبدأ «التحكم في الصراعات عند حدها الأدنى»، وهنا تلعب مسألة العقوبات دورا مهما بوصفها آلية لتحقيق التغيير في مواقف الخصوم دون الوصول بالصراع إلى الطابع المسلح.
وفي نفس الوقت تتم تجزئة الملفات الشائكة في العلاقات بين الخصوم وفصلها عن بعضها البعض لتقليل الخسائر من ناحية والتمكن من حل بعضها كلما أمكن ذلك.
الحالة مع روسيا مثال على هذا التوجه، فقرار الكونغرس بتوسيع العقوبات لا يقف فقط عند الاعتبارات السياسية كالخلاف حول ما جرى في أوكرانيا، وإنما له جوانبه الاقتصادية حيث تسعى الولايات المتحدة لتعديل مسار الاقتصاد العالمي لصالحها خصوصا في مجالي الطاقة والتصدير الصناعي. تريد أن تكون بديلا للغاز الروسي الذي تعيش عليه أوروبا كلها وبديلا لألمانيا في التصدير الصناعي.

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد