كتاب وأراء

حديث في الوساطة

في كل النقاش العمومي الواسع الذي يرافق تحولات «الظاهرة الاحتجاجية» في المغرب، هناك حضور لمفهوم مركزي في التحاليل والقراءات، إنه مفهوم «الوساطة».
في مجرى هذا النقاش السيار، في وسائط التواصل الاجتماعي، وأعمدة الصحافة، وآراء السياسيين، وتعليقات المحللين، تقدم «أزمة الوساطة» كإحدى المداخل الضرورية لفهم تحولات السياق الوطني.
في هذه الخطابات ثمة إعادة إنتاج لفرضية رائجة ومترددة، تنطلق من أن ضعف الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، والمنظمات الأهلية، يجعل الطريق سالكا لكي يختار المجتمع اللجوء إلى الشارع كفضاء للتعبير عن مطالبه.
في تفسير ذلك، تصبح أزمة الوساطة، هي أزمة وظيفية للبنيات الحديثة التي من مهامها الإنصات والتفاعل مع مطالب المجتمع وأسئلته اليومية ذات العلاقة بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
الواقع أن هذا الخطاب لا يلتفت إلى سياقات بروز مفهوم «الوساطة» وارتباطه بمفهوم مجاور له هو «التمثيل»، في بدايات تأسيس التجربة التاريخية والفكرية لليبرالية السياسية، ومن داخل منظومة أفكار زمن الحداثة، من قبيل فصل السلط، والدستور، والعقد الاجتماعي.
من جهة أخرى لا يتم الانتباه دائما إلى الخصوصيات التاريخية للمجتمع المغربي، والذي شهد شأنه شأن العديد من المجتمعات العربية الإسلامية، موجه من التحولات الاجتماعية والقيمية، التي عملت على خلخلة توازن بنياته ومكوناته.
من ذلك، ما ساهمت فيه «صدمة الاستعمار» من تفكيك ممنهج للتعبيرات المجتمعية التي ظلت تأطر السكان، سواء على المستويات الدينية والروحية من خلال «الزوايا»، وعلى المستويات التجارية والمهنية من خلال «الحنط»، وكل ذلك في إطار حضور بنية «القبيلة» كآلية مهيكلة في التنظيم الاجتماعي، إضافة إلى «الجماعة» في مجال أضيق.
الانتقال إلى نمط جديد من «الاجتماع السياسي» تحت أثر دولة ما بعد الاستقلال، سرع من مسلسل تفكيك بنيات التأطير التقليدية، دون أن يسمح بسهوله من إنتاج بنيات حديثة وبديلة ومطابقة للتحولات الاجتماعية العميقة التي مست المجتمع المغربي على صعيد الانتقال من مجتمع قروي إلى مجتمع حضري الطابع، وعلى صعيد الطفرة الديمغرافية والشبابية للهرم السكاني، وعلى صعيد بروز المرأة داخل الفضاء العام وبنيات الإنتاج، وكذا انبثاق قيم الفردانية، والانتقال من العائلة الممتدة إلى الأسرة النووية.
كل هذه التحولات، لم تجد لمرافقتها مؤسسات تأطيرية ملائمة من حيث القيم والتأثير.
بقلم : حسن طارق

حسن طارق