كتاب وأراء

على مَنْ تكذبون؟

كنت أود الحديث عن نجاح قطر في تحقيق خطوة مهمة نحو كسر الحصار تدريجياً، وإجبار الدول الشقيقة على فتح ممرات أمام الخطوط الجوية القطرية والامتثال لاتفاقية شيكاغو المتعلقة بالطيران المدني خلال اجتماع لمنظمة الإيكاو، ولكن حالة التناقض المريب والعجيب في سياسات دول الحصار والكيل بمكيالين فرضت نفسها لتكون موضوع هذا المقال؛ لأن العالم أصبح لا يعرف ماذا تريد هذه الدول، بل أكاد أجزم بأن دول الحصار نفسها من كثرة ما غرقت في الأكاذيب والتناقضات لم تعد تعرف ماذا تريد من قطر، ويوماً بعد آخر تخطو أي منها خطوة تؤكد أنها تفعل ما تطالب قطر بعدم فعله!
من الأمثلة على حالة التناقضات التي تعيشها هذه الدول أنهم في بداية الأمر أعلنوا قائمة مطالب بها ثلاثة عشر مطلباً على قطر تنفيذها، ورفضتها قطر لأن فيها تدخلاً سافراً في سيادتها، وفي اجتماع وزراء خارجيتهم بالقاهرة تجاهلوا المطالب الثلاثة عشر وأعلنوا عن ستة مبادئ جديدة عبارة عن كلام مرسل فضفاض، ثم عادوا من جديد في اجتماع المنامة ليطالبوا بالثلاثة عشر مطلباً!
مثال آخر على التناقضات استقبالهم مقتدى الصدر في الرياض بحفاوة غير معهودة، ونحن لا نعترض على هذا لأنه من الأمور السيادية، ولكن نعترض على أن يتبعوا معنا سياسة الكيل بمكيالين ويحرموا علينا ما يحلونه لأنفسهم، والرد المناسب على هذه السياسة المتناقضة هو قول الله تعالى: «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم».
ثم كانت ثالثة الأثافي في الصور ومشاهد العناق الحار بين وزير خارجية السعودية عادل الجبير ونظيره الإيراني جواد ظريف في إسطنبول أثناء انعقاد اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي للتنديد بإجراءات قوات الاحتلال الإسرائيلي الأخيرة في القدس، ونحن لا نعترض على هذا العناق وهذه الأحضان، فهذا كما ذكرنا من الأمور السيادية التي نتمسك ونرفض المساس بها، ولكن من حقنا أن نتساءل: كيف تصف السعودية النظام الإيراني بأنه مصدر الإرهاب العالمي وهو من يمد الحوثيين بالسلاح، وكيف يصفه وزير خارجية البحرين علناً في اجتماع المنامة بـ «الأعداء» وكيف يطالبون قطر بمقاطعته، ثم يفاجئون العالم كله بهذا العناق وهذه الأحضان، كيف لوزير خارجية السعودية عادل الجبير أن يعانق ويسلم بحرارة على وزير خارجية «نظام إرهابي»؟
أنا شخصياً بدأت أشفق على عادل الجبير عندما يظهر أمام وسائل الإعلام أو في اجتماع ما ويتحدث كذباً وإفكاً لدرجة أصبح معها كل العالم يلاحظ ما يعانيه من حالة الارتباك وعدم التركيز في ما يقول لأنه يعرف مسبقاً كذب ما يدعيه.
أيضاً لطالما اتهمت السعودية إيران بعرقلة مناسك الحج ولطالما قالت إن الإيرانيين يتزاحمون ويعرقلون الحجاج وهم من يتسببون في التدافع الذي يؤدي إلى مقتل الكثيرين منهم، ومن المفارقات العجيبة في هذا الصدد أن تمنع السعودية حجاج قطر من السفر إلى الحج براً أو على متن الخطوط الجوية القطرية من الدوحة في الوقت الذي يتوجه فيه الحجاج الإيرانيون إلى الحج مباشرة من طهران على متن الخطوط الإيرانية، ولا اعتراض لنا على هذا، لكن نعترض على تسييس الحج وأن تفرض المملكة على حجاج قطر السفر عبر الترانزيت من مدن أخرى غير الدوحة وعلى متن طائرات أخرى غير الخطوط الجوية القطرية، مما قد يعوق سفر الكثيرين لا محالة ويبدد أحلام الكثيرين منهم بأداء الفريضة، مع أنه في هذه الحالة لا حرج عليهم لقوله تعالى: «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً»، ولكن الحرج والإثم ستبوء به السعودية، وستظهر بكل تناقضاتها وهي تكذب على شعبها بالدرجة الأولى وعلى الرأي العام العالمي، وتتكشف له يوماً بعد يوم أن سياساتها غير واضحة المعالم، وأنها تعطل ركناً من أركان الإسلام الخمسة، ولايزال الأمل موجوداً للحجاج بأن تراجع السعودية نفسها، والله المستعان.

بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي