كتاب وأراء

الغاز الساخن في الحرب الباردة

«قل لي من أين تستورد حاجاتك من النفط والغاز.. أقل لك ما هي سياستك».
تنطبق هذه القاعدة العامة اليوم على علاقات المجموعة الأوروبية مع روسيا من جهة، وعلى علاقاتها مع الولايات المتحدة من جهة ثانية.
هناك خط أنابيت لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا يعمل منذ سنوات تحت اسم «المجرى الشمالي-1». يجري الآن العمل على مد خط ثان، ينقل الغاز الروسي من سيبيريا عبر بحر البلطيق إلى مدينة غريغولد الألمانية. تبلغ نفقات هذا المشروع 10.6 مليار دولار. وعندما ينتهي العمل في إنشائه في عام 2019، سوف يضاعف من كمية الغاز الروسي الذي يضخ اليوم إلى أوروبا عبر الخط الأول. ولقد تعهدت خمس شركات عالمية بتمويل المشروع بينها شركتان ألمانيتان. تتمسك ألمانيا بالمشروع وتعتبره حيوياً لاقتصادها الوطني وللاقتصاد الأوروبي العام. فالمشروع يوفر الغاز بسعر منخفض، ويؤمن استمرار تدفقه بعيداً عن المتغيرات السياسية. ثم ان المخزون الطبيعي للغاز في بحر الشمال بدأ ينضب. وتوقف العمل منذ أشهر في عدد من المضخات العائمة. والبديل المعروض الآن هو الغاز الروسي. فكيف تدير أوروبا ظهرها إليه وهي في أمسّ الحاجة اليه؟
هناك حسابات أخرى تضع المشروع في إطار الحرب الباردة التي تتواصل فصولاً. فعائدات روسيا من تصدير الغاز إلى أوروبا تعطل مفاعيل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. وأكثر من ذلك، فإن الغاز الروسي يضع أوروبا ذاتها تحت رحمة استمرار أو توقيف الضخ اليها (كما حدث مع أوكرانيا عندما انفجرت الأزمة بين موسكو وكييف). ثم كيف تواجه أوروبا، وفي مقدمتها ألمانيا، التوترات المتصاعدة بين الكرملين وحلف شمال الأطلسي اذا اصبح الغاز الروسي شريان الحياة للاقتصاد الألماني؟ وماذا يعني «إدمان» أوروبا على الغاز الروسي، ومن ثم وقفه فجأة لأي سبب سياسي طارئ؟
تطرح هذه الأسئلة دول أوروبية لا تجد مجالاً للصلح مع موسكو، مثل بولندة ودول البلطيق الثلاث. وتشعر هذه الدول بوطأة التهديد الروسي في أي وقت. وقد سبق أن عانت كثيراً من هيمنة الكرملين الثقيلة طوال الحقبة السوفياتية السابقة. ولذلك فإنها تعارض ما تعتبره «استدراج الدب الروسي إلى الملعب الأوروبي» من جديد. ولا تزال قضية أوكرانيا ماثلة للعيان كدليل على ان طموحات الكرملين لم تتغير.. وان أسلوب موسكو في استعمال الغاز أداة سياسية لم تتغير أيضاً. وتتساءل هذه الدول: «لماذا ترفض ألمانيا ودول أوروبية غربية أخرى التعلم من الدرس»؟
هنا تدخل الولايات المتحدة على الخط. ففي الوقت الذي كانت ألمانيا تدافع بحرارة عن الاتفاق مع روسيا على مد خط الغاز الجديد، كان الكونغرس الأميركي يقرر فرض عقوبات جديدة على الكرملين. ومن هذه العقوبات معاقبة الشركات الأجنبية وليس الأميركية فقط التي تستثمر في روسيا، بما في ذلك مشاريع النفط والغاز! صحيح ان هذا القرار لم يصبح قانوناً بعد، ولكن كل المؤشرات تدل على انه في طريقه إلى أن يصبح ملزماً للشركات الأميركية وللشركات العالمية الأخرى.
وردا على هذا الموقف الأميركي، قال وزير الخارجية الألماني سيغمار غايريل «ان تزويد أوروبا بالطاقة هو شأن أوروبي أولاً وأخيراً». وحصل هذا الموقف العلني والحاد، تأييداً ليس من مستشارة ألمانيا انجيلا ميركل فقط، إنما من مستشار النمسا كريستيان كير ايضاً.
غير ان الموافقة النهائية على المشروع تحتاج إلى موافقة كل من السويد والدنمارك. ذلك أن أنابيب الغاز تمرّ عبر مياههما الاقليمية؛ وبذريعة أن ذلك يمكن أن يشكل خطراً على البيئة، تستطيع الدولتان أن تعارضا المشروع من حيث المبدأ.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك