كتاب وأراء

الموصل .. المقبرة المفتوحة !!

على مدى ما يقرب من «10» أشهر ارتكبت الميليشيات الطائفية العراقية بكل أطيافها، والقوات العراقية الرسمية التي لا تقل عنها طائفية ووحشية، مجازر إبادة لا مثيل لها في مدينة الموصل العاصمة التاريخية للسُنّة في العراق، لكن المرحلة الأخيرة من معركة الموصل والتي جرت في جو من الانشغال العالمي والإقليمي بأحداث أخرى، منها أزمة الخليج، كانت الأبشع والأكثر دموية وإجراماً في هذه المجزرة التاريخية التي لم ينكشف الكثير من تفاصيلها، والتي ربما تفوق ما قام به المغول والتتار في تاريخ العراق من مجازر ضد المسلمين، فرغم تصريحات وزير الخارجية العراقي السابق هوشيار زيباري بأن ضحايا الموصل يزيدون على أربعين ألفاً، فإن أطلال الموصل التي لايزال تحت أنقاضها آلاف الجثث وكذلك المقابر الجماعية التي حفرت لآلاف القتلى الذين لاقوا حتفهم خلال المعارك تؤكد أن أسراراً دفينة وأرقاماً، ربما تفوق هذه الأرقام، قد دفنت تحت الأنقاض أو في المقابر الجماعية التي حفرتها الميليشيات والقوات العراقية وألقت فيها آلاف الجثث، ليس إكراماً للضحايا، وإنما ربما للتخلص من روائح الموتى التي كانت تعيق تقدمهم لمزيد من القتل والدمار والخراب للمدينة.
ومع عشرات التقارير والصور التي نقلها صحفيون غربيون غطوا المعركة كلها مليئة بمآسٍ تاريخية لا تعكس إلا بعض ما جرى من جرائم، نشرت «عربي 21» تقريراً مترجماً في 31 يوليو عن موقع «ميديل إيست آي» البريطاني أجرى من خلاله مقابلات مع جنود عراقيين وبعض قادة الميليشيا ممن شاركوا في هذه الجريمة التاريخية وهذه المجزرة غير المسبوقة، قال أحدهم فيه: «لقد قتلنا الجميع، تنظيم الدولة، والرجال، والنساء، والأطفال»، ولأن الجريمة كانت مشتركة بين الميليشيات العراقية والجيش حيث عملا سوياً تحت قيادة واحدة وبهدف مشترك؛ فقد قال أحد قادة الجيش العراقي الذين شاركوا في المعركة لوكالة الأنباء الفرنسية: «إن هناك العديد من الضحايا في صفوف المدنيين بين الجثث، فبعد الإعلان عن تحرير الموصل من قبضة تنظيم الدولة، أُعطي أمر بقتل أي شيء أو أي شخص يتحرك».
وقد ذكر كثير من الصحفيين الغربيين الذين قاموا بتغطية المعركة، لاسيما في مراحلها الأخيرة والتي تحولت فيها إلى حرب إبادة للحجر والشجر وكل حي يتحرك، ذكروا أن المعركة كانت وحشية في مراحلها الأخيرة إلى حد كبير، وأن التدمير والقتل كان سيد الموقف وكان هو المحرك للقوات العراقية، سواء الميليشيا أو الجيش، وكانت الأوامر واضحة «اقتلوا أي شيء يتحرك»، وذكرت تقارير غربية أن كثيراً من الضباط والجنود الذين التقوهم اعترفوا بأنهم كانوا يقومون بجريمة قتل جماعية، لكنهم قالوا في النهاية إنهم ينفذون الأوامر، ونقل عن بعض الضباط أن قادتهم أبلغوهم أن سجون العراق مكتظة بالمعتقلين وبالتالي فلا حاجة إلى أسرى أو معتقلين، وإنما إبادة كل شيء، المشكلة الآن أن آلاف الجثث التي لاتزال تحت الأنقاض بدأت مع شدة حرارة الجو تتحلل بحيث أصبحت كل أحياء المدينة، لاسيما الأحياء القديمة، التي شهدت المعركة الأخيرة عبارة عن مقبرة مفتوحة تفوح منها رائحة الموت في كل مكان، فمتى تُكتب القصة الحقيقية لمجزرة الموصل التاريخية؟

بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور