كتاب وأراء

كذبستان

على وزن خراطستان كتب أحدهم مقالا يقصد فيه قطر، يلمح لا يصرح، ويصفها بأنها دولة فاحشة الكذب، فاحشة الجرم، فاحشة الإرهاب، طبعا من خلال سرد طويل، وجمل إنشائية، مقالة تشعر أن صاحبها أصيب بالحول الإسقاطي، والعمى الفكري يصف في الغالب منها دول الحصار لا قطر المحاصرة بتاتا.
ما يدهشني كيف تكون هذا الإدراك المقلوب لديه، أو كيف يسقط الإنسان أخلاقيا إلى هذا المدى من الكذب، حتى يقبل على قلمه أن يباع ويشترى، بل وأن يستحمر الناس ذهابا وإيابا، وهو يعلم جيدا أن كل ما كتبه عن قطر إنما يحدث في دولته هو؟!. هل يعقل أن يكون ضحية من ضحايا فيضان الكذب الإعلامي، والمعلوماتي الذي اجتاحنا فجأة مع بداية الأزمة، واكتشفنا معه أن القوم قد صبروا علينا عشرين عاما؟!، أشك في ذلك لأن كاتب المقال كما يبدو تجاوز العشرين بكثير، وأصبح من العسير غسل مخه وتغيير قناعاته وقد أكل الدهر على عقله وشرب، بل والملاحظ أن أغلب من يكتب أمثال هذه المقالات المقرفة من المخضرمين، وخاصة المحسوبين على العلمنة واللبرلة، ما يؤكد أن الأمر مبيت، وأن هؤلاء العلمانيين الموغلين في عدائهم مع قطر يدفعون نحو المشروع الذي صرح به العتيبة (علمنة حكومات وتوجهات دول الحصار) التصريح الذي لم تعترض عليه أية جهة رسمية في المملكة وتابعيها، وتركت الكرة في ملعب المواطنين، كي يشبعوها ركلا في مواقع التواصل الاجتماعي بالكلام، والهياط كما بات معروفا، بينما سيستيقظون يوما وقد فرض الأمر عليهم، وليس لهم سوى التنفيذ وطاعة ولي الأمر وإن جلد ظهورهم، وسلب أموالهم، وصادر حقوقهم، ولهم أن يتمتعوا ببعض مزايا العلمنة التي تخص الحرية الشخصية على طريقة الحبتور، خاصة أن العلمنة العربية باتت تختص بهذه الحريات دون الأخرى لأنها تغيب العقول، وتخرم الأخلاق، وتميت الضمائر، لذلك فهي مفصلة على مزاج هذه الحكومات. ولا يعنيهم منها شيء بقدر ما يعنيهم فصل الدين عن الدولة رغم تراجع هذا المفهوم عند أكبر وأصدق الدول علمنة.
ما أصبح جليا أن هذه العلمنة إنما هي ضرب من ضروب الديكتاتوريات العربية الحديثة التي تسمى بذلك فقط للاستهلاك الإعلامي، وليكون هذا المسمى مجرد واجهة يختفي خلفها ركام هائل من الكذب الفاجر الذي يوظف كيفما كان لتأصيل هذه الديكتاتوريات.
في مقال سابق كتبت أن الرجولة تأبى الكذب، وكان العرب حتى في جاهليتهم يرفضون كل ما يمكن أن يسمهم بالكذب بينما يستمرئ المعادون لقطر الكذب في كل شيء، المريع حقا أن يكذب رؤساء دول، ووزراء خارجية على منصات تنقل للعالم أنه بالفعل إيذان لقيام دول كذبستان.

بقلم : مها محمد

مها محمد