كتاب وأراء

رحيل أديب جرار .. «ذاكرة فلسطين» .. كان متطوعاً بلا تحفظ ومقاوماً بصدق وتفاؤل (1 ــ 2)

جاءني اتصال غير متوقع في أوائل هذا الشهر من أحمد جميل عزم، الأستاذ في جامعة بير زيت، «أردت أن أعلمك بأن صديقنا المشترك أديب جرار قد توفى بعد العملية الجراحية التي أجربت له في باريس».. سقط الخبر كالصاعقة، تمالكت نفسي، بينما أشعر بأن صخرة كبيرة قد هوت عليّ وأفقدتني قدرتي على استيعاب ما وقع.. أديب مناضل من فلسطينيي 1948 من مدينة عكا التي تم احتلالها عام 1948، وهو من مواليد 1957 في عكا.. د. أديب معالج نفسي وشخصية مقدامة ومحبة للعمل العام..
كان أديب، رغم انتمائه لتلك الأقلية الفلسطينية التي استمرت على الأرض التي احتلت عام 1948، قد قرر أن يستقر بصورة موازية في رام الله المحتلة، فيمضي وقته بين المدينتين في عملية توحيد لمعنى فلسطين التاريخية، كما شعر به.. وما أن بدأت الانتفاضة الفلسطينية الأولى المنطلقة في أواخر 1987 إلا ووجد نفسه منخرطاً في فعالياتها وأعمالها.. التقيته في المرة الأولى في القاهرة عام 1988 أثناء حضوري لمؤتمر، جلسنا لساعات، بينما أستمع لتجاربه عن ملحمة الانتفاضة.. ومنذ ذلك الوقت نشأت بيننا صداقة دامت ليوم وفاته في باريس في الثاني من يوليو 2017.
وبالرغم من لقاءاتنا التي لا تعد ولا تحصى، إلا أنني مدين لأديب بأنه أراني جانباً من فلسطين لم أكن لأراه لولاه.. فرغم انتمائي للتجربة الفلسطينية الأليمة، وذلك من خلال النكبة أولاً ثم من خلال المقاومة في جنوب لبنان في سبعينيات القرن العشرين ثانياً، إلا أنه لم تتوفر لي فرصة لزيارة الأرض والمكان الذي بدأت معه القصة الفلسطينية بكل قساوتها.. شجعني أديب على الزيارة وقام بإصرار غريب بإسكات جميع مبرراتي لعدم الذهاب.. هكذا في صيف 2012 عبرت الجسر الفاصل بين الأردن ودولة الاحتلال، وللوصول لفلسطين وللضفة الغربية المحتلة مررت رغماً عن إرادتي بكل رموز الاحتلال المهينة للكرامة العربية.. وصلت لرام الله، حيث انتظرني أديب.
ومنذ اللحظة الأولى التي التقيت أديب في فلسطين وفي رام الله لم يتوقف عن الشرح والتوضيح.. سار معي خطوة خطوة في كل فلسطين من نهرها لبحرها.. في الخليل مثلاً شاهدت أسوأ أشكال العنصرية وكيف قسمت إسرائيل المسجد الإبراهيمي ليخدم المستوطنين، وتجولت في سوق الخليل الشعبي المميز ولكن المحاصر من قبل المستوطنين، وفي القدس رأيت المستوطنات والمواقع المحتلة التي تحيط بالمدينة وتطوقها، وفي نابلس زرت أقربائي، رافقني في كل المحطات، كما وعرفني على أصدقائه، فأديب يتحرك في طول الأرض وعرضها بحب الناس له وباحترامها لدوره ولإحساسه وصدقه، فهو يمتلك رقة الشاعر وإحساس الأديب.. هكذا أمضيت أيامي في فلسطين بفضل أديب في لحظات تفاعل مع مناضلين من خيرة مناضلي الشعب الفلسطيني.
في كل مكان من فلسطين لأديب قصة يرويها وحادثة تعكس عمق معارفه، وبينما نحن في المركبة يتوقف ليريني حرشاً كثيفاً، وإذا بالحرش مكان لقرية فلسطينية تم حرقها على يد العصابات الصهيونية بعد طرد أهلها عام 1948، نسير قليلاً في المركبة فيتوقف أديب ليأخذني وراء صخور من ورائها سر من أسرار التاريخ وظلامه فيريني مقبرة فلسطينية ضخمة مازالت قائمة وتعود في تاريخها لمئات السنوات، في كل مكان أراني أديب كيف تحيط فلسطين العربية بإسرائيل الغازية وكيف تتغلغل فلسطين في قلب الذاكرة الحية لضحاياها.
ذهبنا سوياً لحيفا المحتلة عام 1948، وبينما نسير في شوارعها وأزقتها يوقف المارة في الطريق سائلاً عن معالم في المدينة.. بسببه وصلت لمكان عمل والدي الطبيب قبل النكبة في مبنى مصفاة حيفا.. في حيفا أردت أن أشرب القهوة من مقهى، لكن أديب الملتزم أصر بأن ننتظر لريثما نجد مكاناً في المدينة مملوكاً لعربي فلسطيني.. فبالرغم من كون أديب من مدينة عكا ويحمل هوية إسرائيلية، لأنه من فلسطينيي 1948، رفض أن يحتسي قهوة في حيفا من متجر إسرائيلي.. فهو يطبق في حياته قوانين المقاطعة الشاملة.. لم يكن أديب كارهاً لأحد أو لأي دين أو ثقافة، لكنه كان موقفه واضحاً: طالما الظلم مستمراً ضد الشعب الفلسطيني، فهو مستمر في المقاومة بوسيلته وبالطرق التي يستطيع تحقيقها.. وبالفعل أخذني لمقهى عربي يقدم أفضل قهوة وأفضل المأكولات، أراد أديب بهذا السلوك مهما بدا بسيطاً أن يدعم القطاع العربي في فلسطين، لأنه يرى مستقبل وجود الشعب مرتبط ببقائه على الأرض وبتمكينه اقتصادياً وإنسانياً وبرفع الظلم عنه في كل الأبعاد.
أديب الحيوي الذي ينبض بالحياة يشعر أنه مالك الأرض الوحيد وابنها الشرعي الذي لم تلد غيره، في حديثه وتعبيراته تكتشف أنك أمام روح متجددة تنبع من أعماق فلسطين التاريخية.. في فلسطين انتقلت مع أديب من مكان لآخر، كان معي في مدينة طبريا عندما وجدت منزل جدي ومنزل والدتي عند ضفاف بحيرة طبريا في فلسطين قبل 1948..
(يتبع)

بقلم : د. شفيق ناظم الغبرا

د. شفيق ناظم الغبرا