كتاب وأراء

سوريا وفلسطين والثورة الواحدة

أرسل لي قبل أيام أحد الأصدقاء في القدس فيديو لإحدى المظاهرات الأخيرة هناك، في الفيديو يردد الشباب المقدسيون والفلسطينيون هتافات مستوحاة من شعارات الثورة السورية، التي كانت تنطلق بها حناجر السوريين في 2011، كما أنه في الفيديو نفسه يغني شباب فلسطين أغنية (جنة جنة) تلك الأغنية الشهيرة التي غناها الشاب عبدالباسط الساروت، في مظاهرات واعتصامات الخالدية والوعر في مدينة حمص السورية، ورددها خلفه آلاف الشباب المعتصمين، ومئات آلاف السوريين، حتى أصبحت هذه الأغنية جزءا من الوجدان السوري الذي تشكل في أعظم مرحلة من تاريخ سوريا، في السنة الأولى من الثورة السورية، قبل العسكرة والأسلمة، وقبل تحول الثورة العظيمة إلى حرب متعددة الأطراف.
قلت لصديقي الذي أرسل الفيديو: أرجو أن تستمر الانتفاضة بهذه الروعة وألا يتسلق براءتها الملتحون والسياسيون ثم تنتهي كما انتهت في سوريا، كان مفاجئا رد صديقي الشاب الفلسطيني لي: الثورة في سوريا لم تنته ولم تفشل، ما فشل هو العسكرة والأسلمة، والدليل أن روحها وأفكارها وأغانيها انتقلت إلينا إلى القدس وفلسطين!
قلت لصديقي الفلسطيني ليت الجميع يدركون ما تقول وينتبهون إلى الحقيقة! كنت أفكر في حواري معه بأولئك السوريين والفلسطينيين والعرب، من قوميين ويساريين، الذين وقفوا منذ اللحظة الأولى ضد الثورة السورية، قبل أي تحول فيها، هؤلاء الذين خونوا كل من تظاهر أو أعلن موقفا أو كتب كلمة ضد النظام السوري وتأييدا للثورة، الذين وضعونا جميعا تحت يافطة العمالة لإسرائيل، بذريعة أن النظام السوري هو نظام مقاوم، وبالتالي من هم ضده هم بالضرورة عملاء لإسرائيل، هؤلاء الذين أغمضوا أعينهم عن الجرائم المهولة التي ارتكبها النظام ضد السوريين ومن في حكمهم من فلسطينيين ولدوا وعاشوا في سوريا لأنهم طالبوا بحقوق تضمنها لهم شرعة حقوق الإنسان الدولية، بينما إسرائيل تتسلى بقصف مواقع عسكرية سورية دون أن يتجرأ النظام السوري على اتخاذ أي موقف أخلاقي أو عملي ضد هذا الاعتداء سوى القول إن سوريا تحتفظ بحق الرد!
هذه الجملة التي باتت بمثابة السخرية لدى شرائح متنوعة من السوريين، بينما يراها بقايا اليسار والقومية غاية الوطنية والممانعة والأخلاق، ودون البحث عن الأسباب النفسية العميقة التي جعلت هؤلاء يؤيدون ويدعمون قاتل شعبه ومدمر بلده، فإن سرعتهم في اتخاذ موقف مؤيد لانتفاضة القدس تدل على حالة هلع وجبن هذه الشرائح وعجزها عن اتخاذ موقف أخلاقي حاسم ضد النظام السوري ومن مثله، إذ أن موقفا كهذا قد تكون كلفته باهظة الثمن، بدءا من التعرض للسمعة الشخصية وحتى الاتهام بالعمالة، وهو ما فعلوه أنفسهم ضد معارضي النظام، بينما الموقف من إسرائيل هو موقف كلاسيكي لا كلفة له.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران