كتاب وأراء

صديقاي وعلي دافنشي

لم أكن اعرف أن سر تباعد لقاءاتي بصديقين أنهما تحولا سرا إلى الفن التشكيلي، وأنهما يعكفان على رسم لوحات، وان أحدهما يذهب منذ صباح باكر إلى حديقة الحيوان، مصطحبا معه ألوانه وفرشاته ولوحته ومقعده، ليرسم منظرا طبيعيا خلابا من بيئة شجرية عمر أشجارها طاعن، وأنه يحلم بأن يكون فنانا عبقريا شهيرا تباع لوحاته بأثمان باهظة كتلك التي نقرأ عنها وتتردد أرقامها الفلكية في صالات المزادات الاوروبية الشهيرة.
أما صديقي الآخر فقد استهواه رسم وجوه نسائية، أظن ان خياله قد تداخلت فيه واهتزت صور فنانات عربيات شهيرات، فتجد في كل لوحة لوجه امرأة مزيجا لملامح فنانات، ولكن من الواضح ان ملامح الفنانة نانسي عجرم لا تفارق خياله، فتكررت ملامحها في اكثر من لوحة
قبل تحول صديقي سرا إلى الفن التشكيلي. اعرفهما قارئين شرهين، وناقدين أدبيين حصيفين وبارعين فيما يكتبانه، ولكن لأسباب أراها غريبة هجرا قراءة الادب والنقد إلى الفن التشكيلي، رغم ان الفن الأخير نحيف العشاق، طارد لمن يحاولون ان يتذوقوه، فهو فن مهجور في أوطاننا العربية لأسباب يطول شرحها، فنحن شعوب لا نعشق من الثقافة البصرية الا السينما والمسرح، ونهيم جدا بالثقافة السمعية سواء أكانت طربا أو موسيقى، ولهذا توجد في بلداننا صالات سينما، وخشبات للمسرح، وحفلات يغني فيها المطربون والمطربات، أما صالات العرض للاعمال الفنية لفنان تشكيلي فقد لا تجد لها أثرا.
ذكرني هذا التحول المباغت في اهتمامات صديقي السالف ذكرهما بصديقنا الفنان الاخ علي عزام، والذي صرت ألقبه: «علي دافنشي بن عزام»، فهذا الرجل من الرعيل الأول لموظفي «الوطن»، ويتمتع بدماثة خلق تحبب فيه عباد الله، ولم يدر بخلدي على الاطلاق ان اتفاجأ به فنانا، له عدة لوحات، واقيمت له معارض في الدوحة وخارجها، وأرى صور جلبابه بصفحته على الفيس بوك، وقد تلونت بالالوان التي يلون بها لوحته، وكل يوم يعرض علينا علي دافنشي بن عزام بعضا من مخزون اعماله، ما يعني ان الرجل لا يضيع وقته، بل انه يسرف معظم هذا الوقت على هوايته التي عشقها، بل ربما انه سيكون قريبا بحاجة إلى مساحة لا تقل عن مساحة سور الصين العظيم ليعلق عليها لوحاته، وقبل ان اغادر الدوحة في العام 2014 كنت اتناقش معه حول هذا التحول الفني في حياته، فأجده ملما بتاريخ الفن، وعارفا بسير فنانيين عالميين، ما يعني ان الرجل يمارس تأصيلا لهوايته، ويبحث بعمق في هذه الهواية التي سيطرت على حياته سيطرة كبيرة
كل ذلك وغيره يجعلني اتساءل: هل ان الفن التشكيلي صار يحتل أرضا في مملكة الفنون العربية لم تكن له يوما؟ وهل هذا التحولات تعني تغيرا في الذائقة العربية، وان هذه الثقافة البصرية المهجورة صار لها موقعا في الذرى بعدما ظلت قابعة في سفح اهتمامات الناس؟

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي